ويمكنُ تقريبُ نموذجِ قصرٍ تجري من تحته الأنهار كما وردَ في قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس، فقوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ} [النمل: 44] أي أن القصر كان من زجاج يجري من تحته الماء. فلما رأته بلقيس كذلك ظنته ماء كثيرًا، فكشفت عن ساقيها لئلا يبتل ثوبها بالماء، فقال لها سليمان عليه السلام وقد لمح استغرابها ودهشتها: إنه قصر مملَّس مستوٍ من زجاج وليس ماء.
قلت: وإذا كان الاستشهاد بالآية التي في سورة مريم لا يستبعد التأويل حسبما ذُكر، فإن وصف النعيم في الجنة لا يُقاس به في الدنيا، فقد صحَّ وصفُها في الحديث الشريف أن بها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولذلك لا يُستبعد أن تكون الأنهار تجري من تحت القصور في الجنة كما هو ظاهرُ اللفظ، بل ولا يُستبعد هذا حتى في الدنيا، كنهر وسط، يتربع عليه قصر ضخم وأعمدته تنزل في قعر النهر وعلى شاطئه، تمامًا كما تنشأ الجسور، وبينها ما هو معلَّق لا يحتاج إلى أعمدة في النهر ... بل قد أنشئت قصورٌ حتى في قاعِ البحار!
يردُ في القرآن كثيرًا أنَّ الله يحاسبُ الناس يوم القيامة، لكفرِ من كفرَ وتكذيبهم الرسل، وأن لهم عذابًا أليمًا في جهنم.
ولا يقولن قائل: أين الحرية للإنسان هنا، ولماذا يعذَّبُ على أمرٍ اختاره؟
وملخَّصُ الجواب أن الله لم يخلق الإنسان عبثاُ، بل خلقه لعبادته، وهذه مشيئتة سُبحانه، وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب يخبر عباده بذلك، وأن من آمن وعمل صالحًا فسيكون مصيره الجنة خالدًا فيها، ومن أبى واستكبر عن قبول الحق فسيكون مصيره النارُ خالدًا فيها، وقد أودع الله في الإنسان العقل، ووضع في ذاته ما يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، كما أيّد رسله بالمعجزات، وأبقى بين الناس كتابًا معجزًا يشهد بالصحة واليقين على الدين القويم، فمن لم يستعمل عقله كما ينبغي، بأن لم يسأل، ولم يبالِ، ولم يتعقل، وجادل وخاصم دون حق، فإنه سيذوق جزاء عمله هذا.
إذًا فالإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عما يفعل، وكل جوارحه مسؤولة، قلبه، ويده، ورجله، وسمعه، وبصره ...