الصفحة 3 من 27

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين، وبعد:

فقد منَّ الله تعالى عليَّ بتفسير كتابه الكريم، وقراءته بتدبُّر.

وعندما كنت أجلس لتفسير آية، وأبحث في معناها في أكثر من تفسير، وأريد أن أصوغَ التفسير الأخير لها، كنت أشعر بأنني أبذل طاقةً هائلة لذلك، بما لم أعهده في تأليف وتحقيق أي كتاب، بل ربما أي عمل أقوم به، فكنت أجمع لذلك قواي كلها، العقلية والنفسية والجسدية، وكنت أشعر بعد الانتهاء من تفسيرها براحةٍ نفسية وسعادة متميزة، ولكن مع تعب ظاهر، وحبٍّ للراحة لأقدر على متابعة تفسير الآياتِ التالية!

إن الانشغال بكلام الله شيء فريد ومميزٌ في عمل الإنسان لا يماثله أيُّ عمل آخر.

لقد قرأتُ كتابَ اللهِ تعالى مئات المرات بفضل الله وتوفيقه، ولكن عندما كنت أقرأه وأفسره فكأنني أقرأه لأول مرة، نظرًا للمعاني الجديدة التي كنت أتعرَّف عليها في القرآنِ العظيم، وللمعرفةِ العاليةِ التي كنتُ أتزوَّدُ بها من هذا النبعِ الصافي، التي هي أهمُّ المعارفِ وأجلُّها!

فرقٌ بين أن يفهم المرء المعنى من ظاهر كلمات القرآن الكريم، وبين أن يتمعَّن في تفسيرها ويفهمها.

فالأول يعلق بذهنه ويبتدرُ إلى تفكيره شيءٌ من المعنى، وتبقى كلمات وآيات لا يعرف معناها، فإذا قرأ تفسيرها وبحث في معانيها ودلائلها وأسباب النزول وحقائق القصص ودقائق الترهيب والوعيد ... أخذه هذا إلى عالمٍ آخر، فيه عمق الإيمان، وخشية الله، ولذة العلم، والتفكر بعظمة كلام الله الجليل.

وأدعو القارئ الكريم إلى أن يبحث في معاني آيات من القرآن الكريم في أكثر من تفسير -إعمالًا للفكر- ويقرأها من بعدُ مع آيات قبلها وبعدها، وسيرى لذَّة القراءة وجمال المعنى وأثره، بين ما قرأه بتفسيرٍ وما قرأه من دون تفسير.

فهناك فرق بين أن تقرأ القرآن وتفهم المعنى العام أو الظاهر من الآيات، وبين أن تقرأ تفسير كل آية ومعنى كل لفظ، فإنه سيبدو لك، ما لا يخطر على بال، من المعاني والإيماءات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت