وإن أقرب مثال يضرب للإنسان في ذلك: مؤسسة، ذات إدارة ومهام دقيقة جدًا، بحيث لو لم يقم بمهمته واحد من موظفها لترتب على ذلك مضرةٌ تلحق بالمؤسسة، وعليهم مسؤول كبير حازم دقيق، يراقبهم في أداء أعمالهم، وتنتهي إليه جميع ما يفعلونه، أليس له الحق في أن يحاسبهم إن قصَّروا؟
ومثل ذلك مدرسة، أو جامعة، هل الأساتذة أحرارٌ فيما يفعلونه، من إنجاح طلاب ولو كانوا كسالى مجرمين، وعدم اعتبار الدرجات العلمية للمجتهدين والأذكياءِ والموهوبين؟
ورئاسة الدولة، ووزراؤها، وخبراؤها، ومديروها، وجنودها، هل هم أحرار فيما يفعلونه مما يخالف توجيهات الحاكم الأعلى بينهم؟
أقول هذا لأذكِّر بأن الإيمان يترتب عليه الاستسلام لأوامر الله، فإذا كفرَ بها كان كافرًا برسالته وأنبيائه، فلا يعتدُّ بهذا الإيمان.
ولله المثل الأعلى فيما ضربته من أمثال.
يُذكر في القرآن كثيرًا أن الذين يدخلون جهنم لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين.
وهذا تذكيرٌ لهم بأن الأمر في الآخرة لا يكون كما كان في الدنيا، فقد يَدَعُ الله المرءَ ليحتال لنفسه ويهربُ مدة من الذي اعتدى عليه، أو يحتالَ على دائنه فيزوِّر، أو يقتل، أو يختبئَ وهو مطلوب ... أما في الآخرة فلا مهربَ له من عذاب الله، ولا أحد من أصحابه وأولاده ينتصر له ويدفع عنه العقوبةَ المقدَّرةَ عليه، ولا ولي له يحميه أو يشفع له ويخلصه مما هو فيه.
ورد كثيرًا في كتابِ ربِّنا"تُرجَعونَ"بالبناء للمجهول، كقولهِ تعالَى: {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يونس: 56] يعني أن الناس يُردُّون إلى الله يوم القيامة، فليسوا هم الذين يَرجعون، بل الله يُرجِعهم، بأن يبعثهم من قبورهم ويجمعهم في أرض المحشر للحساب والجزاء.