والأمرُ الثاني في القصة هو الاختبار والابتلاء، فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يُرسلَ إلى نبيٍّ ذي أب وأم، لكنه الابتلاء، ليتفكر الناس ولا يعتقدوا عقائد باطلة واضحةً جدًا في بطلانها، كما هي عقيدة النصارى، وخاصة إذا أرسل رسولًا من بعد وبيَّن في الكتاب المنزل عليه حقيقة الأمر، والبراهين والأدلة الواضحة والكافية على بطلان عقيدتهم.
الخامس: قوم لوط، وهو ما كانوا عليه من عمل الفاحشة (اللواط) الذي هو شذوذ جنسي، وعمل منكر قبيح فاحش، لم يسبقهم إلى هذا أمَّة سابقة. والدعوةُ فيهم هي العودةُ إلى الفطرة والاتجاه الصحيح، بأن يأتوا زوجاتهم التي خلقه الله لهم، ولا يكونوا شاذين معاكسين للفطرة، ويقاس على هذا أمورٌ مثلها مما يخالف الفطرة، مع ما تبيَّن في هذا العمل من أمراض نفسية واجتماعية وصحية ..
السادس: عادٌ قومُ هود، الذين اغترّوا بقوتهم، وكانوا أصحاب مدنية وغنى ورفاهية، وأصروا على تقليد آبائهم وأجدادهم الضالين، وكانوا أشدّاء غلاظًا، وكانت دعوةُ نبيهم لهم بأن يتَّبعوا الحق ويدَعوا الباطل، وأن لا عبرة بالقوة ما لم يسدِّدها الوحي والفطرة التي فطر الله الناسَ عليها، والله أقوى وأعزُّ وأجلّ.
ومثلهم ثمودُ قوم صالح، فكانوا أهل جناتٍ وعيون، وعمارة وفن، فاستكربروا وعاندوا رسول الله وكذبوا وتمردوا، فأهلكهم الله ..
يذكر الله تعالى في آيات عديدة أنه قادر على ما يشاء، لا يعجزه شيء مما يريده، وهو يعلم سبحانه أنه كذلك، ولكنه تذكير للعباد بأنه قادر على إبادتهم وتبديلهم بآخرين وعلى التصرُّف بهم كما يشاء، فليلتزموا بما أُمروا به، ولهم عبرة بمن حكى الله أمرهم في القرآن من العصيان، وكيف أنهم عذِّبوا وأبيدوا، وما ينتظرهم أكبر وأكثر.