والدلالاتِ والإشارات. ولو أنك تنقلت بين التفاسير لرأيت أعجب من ذلك .... إنه كلام الله المعجز، الذي لا يحيط البشر بمعانيه التامة مهما بيَّنوا وفسَّروا ...
وإن حنينَ المسلم إلى القرآن، وتلاوته يوميًا، مع عدم الملل من تكرار آياته وسوره في الصلاة وغيرها، وكذلك اهتداءَ كثيرين بمجرد تلاوةِ آياتٍ منه، أو الاطلاعِ على معاني كلمات منه ... ذكرني بما كنتُ فيه من عالَمٍ نورانيٍّ جميلٍ عندَ تفسيره والشوقِ إليه، على الرغم مما كنتُ أجدُ من صعوبة في البحث واختيار ما هو مناسب من التفاسير، وكان ينتابني القلقُ بين آونةٍ وأخرى عندما أتذكَّرُ الانتهاءَ من التفسير، لأنني سأفقد بذلكَ عملًا جليلًا لا مثيل له، وراحةً وبهجةً في النفسِ لا مثيلَ لها، وأتصوَّر بعد ذلك الانشغال بأمور أقل شأنًا بكثير، فأزداد حزنًا وأسًى وحسرةً!!
وقد فكرت في سبب التعلق بالقرآن الكريم، فرأيتُ وشيجةً تربطني به من أعماق نفسي، وهي نفسها التي بسببها يهتدي الناس، ويشتاق بها المسلم إلى القرآن .. إنها الفطرة! الفطرة النقية البيضاء، الفطرة التي خلقها الله في الإنسان يخاطبها خالقها في كتابهِ الكريم ... فتجد أنك منجذب إليه انجذابًا يلائمُ تكوينكَ النفسيَّ وكأنَّكَ تُنادَى من أعماقِكَ ومن جميعِ جوانبكَ دون أن يشوبَ ذلكَ شائبة. والفطرة شعورٌ داخلي لا يقدرُ المرء على إنكاره ولا التخفي منه، إنه أقوى وأجلُّ حتى من العقل والعاطفة.
ونظرًا لما ينتابُ هذه الفطرة من شوائب، نتيجة التقليد السيء والتربية المنحرفة وما إليهما من العوامل، نجدُ الخطابَ في القرآنِ الكريم يتغير أيضًا، ليصل إلى قلب الإنسان، وعقله، وفطرته كلًا، أو جزءًا.
وكلام الله في القرآن الكريم لا يشبه كلام البشر، ولو أنه يتألف من حروفٍ وكلماتٍ يستعملُها! ففيه صفات ربّانية تجعله مميزًا في كل شيء، وخاصة إيحاءه وتركيبه، فهو معجزة لفظًا ومعنى. وكثيرٌ من العلماء ذكروا وجوه هذا الإعجاز ووصفوه، لكن العجز عن الوصف التام هو الوارد، لأنه كلام الله ... وكفى به وصفًا وإعحازًا.
إن القرآن العظيم كتابٌ معجزٌ حقًّا، فهو كلامُ الله المتحدَّى به، وهو على الرغم من ذلك يُفهم منه ويُفسَّرُ ويؤوَّل، ويُتزَوَّدُ منه علمُ وفهم وسلوك حياة، ولو تكلم الله فيه بكلامٍ صعب يناسبُ ألوهيته وعظمته وعلمه وقدرته، وعن أمور لا عهدَ للإنسان بها ولم يسمع بها ولا يعرف شيئاَ من علومها وأحوالها ومكوناتها، لما فهم شيئًا ولما استفاد، ولو أن المرء دخل