الصفحة 22 من 27

جناتٌ ... كيف تجري من تحتها الأنهار؟

ويردُ كثيرًا وصف الجنات في الآخرة بأنها تجري من تحتها الأنهار، ويوردها كثيرٌ من المفسِّرينَ هكذا دون زيادة، وقد ذكرَ ابنُ كثير في أكثرَ من موضعٍ أنها تعني"خلالها"، أي بين قصورها وبساتينها. وقال في تفسير الآية (24) من سورة الحج: أي تتخرَّقُ في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحتَ أشجارها وقصورها، يَصرِفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا. اهـ. وهو يفسِّر الأنهار لا بما يجري فيها من ماء سلسبيلٍ فقط، بل بأنواع العصاير والمشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ويذكرُ الزمخشري في جريان الأنهار من تحت الجنات بأنه: كما تُرَى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية.

قال: وأنزه البساتين وأكرمها منظرًا ما كانت أشجاره مظلَّلة، والأنهارُ في خلالها مطَّردة .. وأن الجنان لا تروق للنواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الأنهار، وإلا كانت أشجارها كتماثيل لا أرواح فيها، وصورٍ لا حياة فيها.

أقول: ولو رأى القارئ متنزهًا أرضه رمل ناعم وحصى صغير، يسيل الماء عليها سيلانًا، ويمشي بين الأشجار الخضراء رقراقًا، فلو تنزه فيه لأبهج نفسه، ولما فترت شفتاه من الابتسام، ولما نسي هذا المنظر، فإنه لا يكاد يماثله جمال طبيعي. نسأل الله جنته.

وقال الآلوسي في الآية (9) من سورة يونس: أي [تجري] من تحت منازلهم، أو من بين أيديهم.

وقال في تفسير الآية (14) من سورة الحج، والآية (11) من سورة البروج، دمجًا بين تفسيريهما: إن أريدَ بالجنات الأشجارُ المتكاثفة الساترةُ لما تحتها، فجريانُ الأنهارِ من تحتها ظاهر، وإن أُريدَ بها الأرضُ المشتملةُ على الأشجار، فاعتبارُ التحتيَّةِ بالنظرِ إلى جزئها الظاهر، فإنَّ أشجارَها ساترةٌ لساحتها، واسمُ الجنةِ يُطلقُ على الكلّ. وقال البغوي: أي بين أيديهم، كقوله عز وجل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24] أي بين يديها. وقيل تجري من تحتهم، أي بأمرهم.

قلت: يعني بالأخير كما في قولهِ تعالى: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الزخرف: 51] ويعني: تحت تصرُّفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت