كما أن حرص الدولة العثمانية على جميع الأموال الأميرية كان أمرة طبيعيا لا بحك كونها دولة مسيطرة أو محتلة وإنما بحكم تطبيقها لقوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية حرصت على الحفاظ عليها طوال مدة بقائها. وإذا كانت بعض التجاوزات في هذا الشأن قد تخللت الأسلوب العثماني وبفعل العديد من الظروف فإننا لا ينبغي أن ننساق وراء السعي التعميم ذلك على كل الفترة العثمانية. فعلى سبيل المثال إذا كان العثمانيون قد أخذوا بنظام الالتزام فإنهم لم يكونوا أول من أوجده على الساحة المصرية أو في بلاد الشام أو في غيرها، كما أنهم لم يلجأوا إليه بشكل مسيء إلا في القرن الثامن عشر بسبب توالي الحروب التي خاضتها الدولة على الساحة الأوروبية وضد روسيا على وجه الخصوص.
ومما لا شك فيه أن هذه الظروف التي مرت بها الدولة قد أسهمت في إمالها للعديد من جوانب الإصلاح الداخلي مما أدى إلى المساعدة على قيام العديد من حركات التمرد والعصيان التي كانت نتيجة وسببا الضعف قبضة الدولة العثمانية على ولاياتها، وسمحت تلك الظروف في هذه الولايات بظهور المغامرين والطامعين في نفس الوقت الذي ظهرت فيه أطاع الدول الاستعمارية بشكل مكثف في المنطقة العربية، فشجعت الدول الإستعمارية هذه الأطاع بشكل تکتيکي يتناسب مع ظهور الدول القومية وتنافسها وهدف إلى تمزيق القوى الاسلامية، ثم ساعدوا على ظهور الشعور القومي الذي لم يكن يتناسب مع ظروف العالم الإسلامي استکالا لهذا الهدف، وبعد أن تحقق هذا انفردت الدول الأوروبية بالبلاد الإسلامية الواحدة تلو الأخرى وهي مرحلة تعرف في التاريخ باسم المسألة الشرقية التي سبقت مرحلة وقوع الوطن العربي تحت الاحتلال الأوروبي