فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 298

الاستعمار الاقتصادي والفكري، وكذلك إغراق الشعوب المطحونة في مشاكل متعددة حتى تبعد بينها وبين سياسة التنمية كي تظل في إطار التبعية والاستغلال. وبالتالي يمكن القول بأن المظاهر الإنسانية المفرطة في بعض الأحيان التي تظهر في أوروبا المعاصرة هي رد فعل السياسة طويلة من اللاإنسانية، كما أنها إنسانية مبتورة لاقتصارها على مساندة جنس دون آخر وخضوعها لقضية المصلحة أكثر من التزامها بمفهوم ثابت اللقيم الأخلاقية.

إن كثيرة من الدول التي استطاعت أن تبني نفسها من الداخل قد اتبعت سياسة العزلة عن السياسة الأوروبية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي والصين وغيرها، وقد لا يستطيع المشرق العربي أن يفرض عزلة جديدة على نفسه بحكم أنه بموقعه وخيراته على الأقل ما زال مستهدفة من قبل الاستعمار الأوروبي بشكله الحديث، ولو أنه نجح في هذه السياسة ونجا من فرض المشكلات الأوروبية فإنه يستطيع في غضون مدة زمنية أن يشهد تنمية أوسع مما هو عليه الآن، لكن الاستعمار الغربي لن يتركه، ولعلنا نناجي العصر العثماني مرة أخرى حيث أصبحت العزلة المذمومة في عهده مطلبة غالية وبعيد المنال في عصرنا الحالي. لكن النزعة الانهزامية لدى مفکرينا تجاه الحضارة الغربية، وسلسلة الصراعات المحلية، ومحاولة كثير من الأنظمة السياسية العربية كسب ود الغرب بتطبيق قوالب سياسية لا تتفق في إطارها مع مصالح شعوب المنطقة ولا تناسب واقعها، وكذلك وجود استعمار استيطاني هو إسرائيل، كل هذا يجعل من المسعى إلى عزلة جديدة للتنمية والبناء أمرا صعب التحقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت