منذ ظهوره على الساحة السياسية في العصر العباسي الثاني ثم في دولة السلاجقة
وازداد بروز هذه السمية - التي يتسم أصحابها بالاستعلاء والجهل أحيانا - لدى الأتراك في العصر العثماني حين استطاعوا أن يؤسسوا إمبراطورية قرية مهابة الجانب مترامية الأطراف في الشرق والغرب (3) فالتزموا بالعزلة في ثكناتهم العسكرية دون الاختلاط بالشعوب المفتوحة وبخاصة أنهم كانوا يدركون أيضا قلة عددهم عن الشعوب المحيطة بهم، ولذلك بدت ثكناتهم العسكرية في قلاع تعلو مناطق وجودهم لا لكونها في موقع عسكري فقط ولكن لاتساقها مع طبيعتهم الذاتية.
أما العامل الآخر فهو عامل حضاري حيث كان التركي بطبيعته المتنقلة لا يحتفظ برصيد حضاري يوازي ذلك الرصيد الذي كان للشعوب المفتوحة. وبغض النظر عن تأثر الأتراك العثمانيين بالحضارتين الإسلامية والبيزنطية وبشكل أسهم في وجود حضارة خليطة ميزتهم عن كلتا الحضارتين فإنهم لم يأخذوا بأسباب الحضارة إلا بعد استقرارهم السياسي. وعلى الرغم من أن الحضارة الإسلامية كانت قد أصيبت بالجمود منذ الهجوم المغولي على بغداد وكذلك أقول الحضارة البيزنطية بعد سقوط القسطنطينية إلا أن الأتراك العثمانيين قد استمروا فترة ليست بالقصيرة في الأخذ عن هاتين الحضارتين، وبالتالي كان إحساس التركي بأنه أقل حضارة من أصحاب الحضارتين وفي نفس الوقت هو الفاتح المنتصر القوي فإن هذه العوامل - مع طبيعته العسكرية - قد دفعته لاعتزال الاحتكاك بهذه الشعوب.
أما العزلة التي اتجه المؤرخون إلى إدانة الحكم العثماني بسببها فهي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(3) د. عبد العزيز الشناوي: المرجع السابق ص 49.