النَّاسِ وَعِلْمُهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ بِسَعْيٍ وَتَوَاطُؤٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ هُوَ الَّذِي طَلَبَ مُصَالَحَتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ ذَلِكَ، وَالْجَهْرُ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ قَدْ يُبْطِلُ ذَلِكَ، فَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْكِتْمَانِ وَأَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهِ وَالسَّعْيُ إِلَيْهِ بَيْنَ مَنْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَيْهِ بِالنَّجْوَى فِيمَا بَيْنَهُمْ.
لَوْ أُطْلِقَ الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّجْوَى لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَذَهَبَ اجْتِهَادُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَوَرِّعِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرِ فَيَتْرُكُونَ النَّجْوَى بِهَا خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُرَجِّحُوا الْجَهْرَ بِالْأَمْرِ بِهَا فَيَفُوتُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَلَوْ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَإِمَّا أَنْ يُرَجِّحُوا تَرْكَ الْأَمْرِ بِهَا أَلْبَتَّةَ، لِئَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَى النَّفْعِ الْمَقْصُودِ مِنَ الصَّدَقَةِ الضَّرَرُ، وَتَأْخُذُ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وَيَتَحَوَّلُ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ إِلَى إِفْسَادٍ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، بَغَى الشَّيْءَ طَلَبَهُ بِالْفِعْلِ، وَابْتَغَاهُ أَبْلَغُ مِنْ بَغَاهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَالِاعْتِمَالِ لَهُ، وَإِنَّمَا تُنَالُ مَرْضَاةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالشَّيْءِ إِذَا فُعِلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْخَيْرُ وَيَتِمُّ بِهِ النَّفْعُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ، وَيَكُونُ الْفَاعِلُ لَهُ مُظْهِرًا لِرَحْمَتِهِ - تَعَالَى - وَحِكْمَتِهِ، مَعَ تَذَكُّرِ هَذَا عِنْدَ الْعَمَلِ وَالشُّعُورِ بِهِ ; وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ أَرْقَى مِنَ الْفَيْلَسُوفِ فِي عَمَلِهِ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْغُرُورِ وَالدَّعْوَى فِيهِ، وَأَرْسَخَ قَدَمًا فِي الْإِخْلَاصِ، وَتَحَرِّي نَفْعَ النَّاسِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمِ مُزَاحَمَةِ الْأَهْوَاءِ الشَّخْصِيَّةِ لَهُ وَتَرْجِيحِهَا عَلَيْهِ، ذَلِكَ بِأَنَّ الْفَلَاسِفَةَ وَأَخُصُّ مِنْهُمْ فَلَاسِفَةَ هَذَا الزَّمَانِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْخَيْرَ وَالْفَضِيلَةَ وَالْكَمَالَ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ الْخَيْرَ ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَافِعٌ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا، وَالْإِيمَانُ يَهْدِينَا إِلَى هَذَا وَإِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَشْرَفُ، وَهُوَ أَنْ نُشْعِرَ أَنْفُسَنَا عِنْدَ عَمَلِهِ أَنَّنَا مَظَاهِرُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَأْفَتِهِ بِعِبَادِهِ وَمَجَالِي لِحِكْمَتِهِ فِي إِصْلَاحِ خَلْقِهِ، وَأَنَّ لَنَا بِذَلِكَ قُرْبًا مَعْنَوِيًّا مِنْ رَبِّنَا، وَأَنَّنَا نِلْنَا بِهِ مَرْضَاتَهُ عَنَّا، وَصِرْنَا بِهِ أَهْلًا لِلْجَزَاءِ الْأَوْفَى، فِي حَيَاةٍ أَشْرَفَ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَأَرْقَى وَإِنَّ هَذَا الْجَزَاءَ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ