فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 454

لِلْأُمَّةِ وَإِنْ أَجَازَ لَهَا تَغْيِيرَهُ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ وَتَهْذِيبًا لَنَا حَتَّى لَا يَصْعُبَ عَلَيْنَا الرُّجُوعُ عَنْ آرَائِنَا، وَرَأْيُهُ هُوَ الرَّأْيُ الْأَعْلَى فِي كُلِّ حَالٍ.

وَقَرِيبٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ تَقْدِيمُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَالْمُرْسَلِ عَلَى الْقِيَاسِ وَتَعْلِيلُهُ بِمَا عَلَّلَهُ بِهِ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَانَ غَيْرَ عَامِلٍ بِالشُّورَى، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَوْ وَضَعَهَا بِمُشَاوَرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَقَرَّرَ فِيهَا رَأْيَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَأْيَ الْأَكْثَرِينَ كَانَ خَطَأً وَمُخَالِفًا لِرَأْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهَلْ يَرْضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْكُمَ أَمْثَالُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ وَمَنْ دُونَهُمْ - كَأَكْثَرِ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْفَتْحِ - فِي أُصُولِ الْحُكُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَقَوَاعِدِهَا؟ أَلَيْسَ تَرْكُهَا لِلْأُمَّةِ تُقَرِّرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ مَا يُؤَهِّلُهَا لَهُ اسْتِعْدَادُهَا هُوَ الْأَحْكَمَ؟

بَلَى، وَقَدْ تَبَيَّنَ كُنْهُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ كَافٍ لِوَضْعِ قَانُونٍ كَافِلٍ لِقِيَامِ الْمَصْلَحَةِ، وَلِذَلِكَ بَادَرَ عُمَرُ إِلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) خَوْفَ الْخِلَافِ الْمُهْلِكِ لِلْأُمَّةِ ; وَصَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَا لَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إِلَى مِثْلِهَا، وَكَذَلِكَ اسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ كُبَرَاءَ الصَّحَابَةِ فِي الْعَهْدِ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا عَلِمَ رِضَاهُمْ عَهِدَ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلتَّفَرُّقِ وَالْخِلَافِ مَجَالٌ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. وَلَوْ كَانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأُمَّةَ مُسْتَعِدَّةٌ لِإِقَامَةِ الشُّورَى عَلَى وَجْهِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالْخِلَافِ، لَتَرَكَ لَهَا الْأَمْرَ، وَلَمْ يُحَاوِلْ جَمْعَ كَلِمَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ هُوَ الْأَصْلَحَ حَتَّى يَمُوتَ آمِنًا عَلَيْهَا مِنْ تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت