الزِّبَعْرَى: لَأَخْصِمَنَّ مُحَمَّدًا، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عُبِدَ عِيسَى، وَعُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ فَهَلْ هُمْ حَصَبٌ لِجَهَنَّمَ؟ فَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ مَا بَعْدَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
وَقُيِّدَتِ الْمَوْعِظَةُ بِالْحَسَنَةِ، وَلَمْ تُقَيَّدِ الْحِكْمَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَوْعِظَةَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا غَالِبًا رَدْعَ نَفْسِ الْمَوْعُوظِ عَنْ أَعْمَالِهِ السَّيِّئَةِ أَوْ عَنْ تَوَقُّعِ ذَلِكَ مِنْهُ، كَانَتْ مَظِنَّةً لِصُدُورِ غِلْظَةٍ مِنَ الْوَاعِظِ، وَلِحُصُولِ انْكِسَارٍ فِي نَفْسِ الْمَوْعُوظِ، وَأَرْشَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَتَوَخَّى فِي الْمَوْعِظَةِ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً، أَيْ بِإِلَانَةِ الْقَوْلِ وَتَرْغِيبِ الْمَوْعُوظِ فِي الْخَيْرِ، قَالَ تَعَالَى خِطَابًا لِمُوسَى وَهَارُونَ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى.
وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَهِيَ تَعْلِيمٌ لِمُتَطَلِّبِي الْكَمَالِ مِنْ مُعَلِّمٍ يَهْتَمُّ بِتَعْلِيمِ طُلَّابِهِ، فَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي حَالَةٍ حَسَنَةٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً.
وَالْمُجَادَلَةُ لَمَّا كَانَتْ مُحَاجَّةً فِي فِعْلٍ أَوْ رَأْيٍ لِقَصْدِ الْإِقْنَاعِ بِوَجْهِ الْحَقِّ فِيهِ، فَهِيَ لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَوْ مِنَ الْمَوْعِظَةِ، وَلَكِنَّهَا جُعِلَتْ قَسِيمًا لَهُمَا هُنَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَرَضِ الدَّاعِي إِلَيْهَا.
وَإِذْ قَدْ كَانَتْ مُجَادَلَةُ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مِنْ ذُيُولِ الدَّعْوَةِ وُصِفَتْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا وُصِفَتِ الْمَوْعِظَةُ بِالْحَسَنَةِ.