الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ يُنَافِي إِكْمَالَ الدِّينِ وَيُسْرَهُ، وَرَفْعَ الْحَرَجِ مِنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْقِيَاسَ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَا عَدَا الْعِبَادَاتِ، وَفِي مَعْنَاهَا الْحَلَّالُ وَالْحَرَامُ، عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَنْبِطُونَ مِنْ عِبَارَاتِ شُيُوخِهِمْ فَيَجْعَلُونَهَا كَنُصُوصِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ تُضْبَطْ بِالرِّوَايَةِ كَمَا ضُبِطَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ، وَيَعُدُّونَ تَعْلِيلَاتِهِمْ كَتَعْلِيلَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَجْعَلُونَهَا دَلِيلًا عَلَى الْأَحْكَامِ وَمَدَارًا لِلِاسْتِنْبَاطِ، بَلْ صَارُوا يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَا وَافَقَهَا مِنْهُمَا جَعَلُوهُ دَلِيلًا لَهَا، وَمَا خَالَفَتْهُ مِنْهُمَا أَوْجَبُوا الْعَمَلَ بِهَا دُونَهُمَا، فَصَارَتْ أَحْكَامُ الدِّينِ الْمُسْتَنْبَطَةُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ الْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ، وَهُجِرَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لِأَجْلِهَا، فَهَلْ يَتَّفِقُ هَذَا مَعَ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللَّهَ أَكْمَلَ الدِّينَ بِكِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمَّا الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَمَا نِيطَ مِنْهُ بِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4: 59) وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ مَزِيدٌ فِي تَفْسِيرِ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (5: 101) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي إِكْمَالِ الدِّينِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ فِيهِ عَقَائِدُهُ وَأَحْكَامُهُ وَآدَابُهُ (الْعِبَادَاتُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا بِالتَّفْصِيلِ، وَالْمُعَامَلَاتُ بِالْإِجْمَالِ وَنَوْطُهَا بِأُولِي الْأَمْرِ) وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِقَرِينَةِ الْحَالِ ; أَمْرِ الْقُوَّةِ وَاكْتِفَاءِ أَمْرِ الْمُشْرِكِينَ، قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ (5: 3) وَيَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وَتَأْكِيدًا قَوْلُهُ: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (5: 3) وَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ جُمْلَتُهُ وَمَجْمُوعُهُ لَمَا قَالَ: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (5: 3) . فَالْعَجَبُ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ كَيْفَ أَذْهَلَهُ مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ هَذَا النَّصِّ!.
هَذَا وَإِنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ أَكْمَلَهُ فَلَا يَنْقُصُهُ أَبَدًا، أَثْبَتُ وَأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا بَعْدَ الْكَمَالِ إِلَّا النَّقْصُ، إِلَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ الدِّينَ نَفْسَهُ، وَعُمَرَ أَرَادَ قُوَّةَ الْأَخْذِ وَالِاسْتِمْسَاكِ بِهِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ ; إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى