فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 454

وَالْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ كُلِّهَا، وَسَنَعُودُ إِلَى هَذَا الْبَحْثِ فَنُوَفِّيهِ حَقَّهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (6: 38) وَمَا فِي مَعْنَاهُ.

(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) رَوَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ بِضْعَةِ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحْرَسُ فِي مَكَّةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ تَرَكَ الْحَرَسَ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ أَوَّلَ النَّاسِ اهْتِمَامًا بِحِرَاسَتِهِ، وَحَرَسَهُ الْعَبَّاسُ أَيْضًا، وَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحْرَسُ، وَكَانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي، لَا حَاجَةَ لِي إِلَى مَنْ تَبْعَثُ"،"وَمَعْنَى"يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ": يَمْنَعُكَ مِنْ فَتْكِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنْ عِصَامِ الْقِرْبَةِ؛ وَهُوَ مَا تُوكَأُ بِهِ ; أَيْ مَا يُرْبَطُ بِهِ فَمُهَا مِنْ سَيْرِ جِلْدٍ أَوْ خَيْطٍ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ بَيَانَ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَفَسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَالنَّعْيِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَلَفِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهُمْ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِيذَاءِ ; لِذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَصَدَّوْنَ لِإِيذَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَائْتَمَرُوا بِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَّرُوا قَتْلَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْهُمْ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْيَهُودُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ وُضِعَتْ فِي سِيَاقِ تَبْلِيغِأَهْلِ الْكِتَابِ ; لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عُرْضَةً لِإِيذَائِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي عَصَمَهُ مِنْ كَيْدِهِمْ، وَلِتُذَكِّرَ بِمَا كَانَ مِنْ إِيذَاءِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ قَبْلِهِمْ."

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فَهُوَ تَذْيِيلٌ تَعْلِيلِيٌّ لِلْعِصْمَةِ ; أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِي أُولَئِكَ النَّاسَ، الَّذِينَ هُمْ بِصَدَدِ إِيذَائِكَ عَلَى التَّبْلِيغِ، وَهُمُ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، إِلَى مَا يَهُمُّونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ خَائِبِينَ، وَتَتِمُّ كَلِمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَكْمُلَ بِهَا الدِّينُ" [1] ."

(1) تفسير المنار ... » الجزء السادس» ... سورة المائدة ... » تفسير قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت