فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 454

يُؤَجِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَلَمْ يَقُولُوا: نَقْعُدُ حَتَّى يَرْزُقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَابْتَغَوْا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ: [الْجُمُعَةِ: 10] ، وَلَابُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَعِيشَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بِشْرٍ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِ هَذَا، فَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي"الْحِلْيَةِ"أَنَّ بِشْرًا سُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: اضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ، وَسُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَسِّرْهُ لَنَا حَتَّى نَفْقَهَ، فَقَالَ بِشْرٌ: اضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ، رَجُلٌ يَضْطَرِبُ بِجَوَارِحِهِ، وَقَلْبُهُ سَاكِنٌ إِلَى اللَّهِ، لَا إِلَى عَمَلِهِ، وَسُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ، فَرَجُلٌ سَاكِنٌ إِلَى اللَّهِ بِلَا حَرَكَةٍ، وَهَذَا عَزِيزٌ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَبْدَالِ. وَبِكُلِّ حَالٍ، فَمَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ، فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ مُعَانَاةِ الْأَسْبَابِ لَاسِيَّمَا مَنْ لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ. وَكَانَ بِشْرٌ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي عِيَالٌ لَعَمِلْتُ وَاكْتَسَبْتُ. وَكَذَلِكَ مَنْ ضَيَّعَ بِتَرْكِهِ الْأَسْبَابَ حَقًّا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِفَوَاتِ حَقِّهِ، فَإِنَّ هَذَا عَاجِزٌ مُفْرِطٌ، وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُولَنَّ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي"سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ"وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ. وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ عَابِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ التَّوَكُّلَ بَعْدَ الْكَيْسِ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْخُذُ بِالْكَيْسِ وَالسَّعْيِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُبَاحَةِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ سَعْيِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا يُنَافِي الْإِتْيَانَ بِالْأَسْبَابِ بَلْ قَدْ يَكُونُ جَمْعُهُمَا أَفْضَلَ. قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: لَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَاسًا مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت