رَفَعْت بِهِ أَمْرَ النَّارِ عَلَى الطِّينِ، أَهُوَ وَهَبَهُ لَك أَمْ حَصَلَ لَك مِنْ غَيْرِ مَوْهِبَتِهِ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: وُهِبَ لِي، فَأَقُولُ: أَفِيهِ لَك كَمَالُ الْفَهْمِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ حِكْمَتُهُ فَتَرَى أَنْتَ الصَّوَابَ، وَيَرَى هُوَ الْخَطَأَ؟ وَتَبِعَ إبْلِيسَ فِي تَغْفِيلِهِ وَاعْتِرَاضِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِثْلَ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ وَالْمَعَرِّيّ وَمِنْ قَوْلِهِ:
إذَا كَانَ لَا يَحْظَى بِرِزْقِك عَاقِلٌ ... وَتَرْزُقُ مَجْنُونًا وَتَرْزُقُ أَحْمَقَا
فَلَا ذَنْبَ يَا رَبَّ السَّمَاءِ عَلَى امْرِئٍ ... رَأَى مِنْكَ مَا لَا يُشْتَهَى فَتَزَنْدَقَا
وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ يَقُول:
أَيَا رَبُّ تَخْلُقُ أَقْمَارَ لَيْلٍ ... وَأَغْصَانَ بَانٍ وَكُثْبَانَ رَمْلِ
وَتُبْدِعُ فِي كُلِّ طَرْفٍ بِسِحْرٍ ... وَفِي كُلِّ قَدٍّ وَسَبْقٍ بِشَكْلِ
وَتَنْهَى عِبَادَك أَنْ يَعْشَقُوا ... أَيَا حَاكِمَ الْعَدْلِ ذَا حُكْمُ عَدْلِ
وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْمَخْلُوقِ أَضَرُّ مِنْ الْخَالِقِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: دَخَلْت عَلَى صَدَقَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِ وَكَانَ فَقِيهًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاعْتِرَاضِ، وَكَانَ عَلَيْهِ جَرَبٌ فَقَالَ: هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى جَمَلٍ لَا عَلَيَّ، وَكَانَ يَتَفَقَّدُهُ بَعْضُ الْأَكَابِرِ بِمَأْكُولٍ فَيَقُولُ: بُعِثَ لِي هَذَا عَلَى الْكِبَرِ وَقْتَ لَا أَقْدِرُ آكُلُهُ، وَكَانَ رَجُلٌ يَصْحَبُنِي قَدْ قَارَبَ ثَمَانِينَ سَنَةً كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ فَقَالَ لِي: إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ أَمُوتَ، فَيُمِيتَنِي، فَأَمَّا هَذَا التَّعْذِيبُ فَمَا لَهُ مَعْنًى.
وَاَللَّهُ لَوْ أَعْطَانِي الْفِرْدَوْسَ كَانَ مَكْفُورًا. وَرَأَيْت آخَرَ يَتَزَيَّا بِالْعِلْمِ إذَا ضَاقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ يَقُولُ أَيْشٍ هَذَا التَّدْبِيرُ؟ وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ إذَا ضَاقَتْ أَرْزَاقُهُمْ اعْتَرَضُوا، وَرُبَّمَا قَالُوا: مَا تُرِيدُ نُصَلِّي. وَإِذَا رَأَوْا رَجُلًا صَالِحًا يُؤْذَى قَالُوا: مَا يَسْتَحِقُّ، قَدْ حَافَ الْقَدَرُ، وَكَانَ قَدْ جَرَى فِي زَمَانِنَا تَسَلُّطٌ مِنْ الظَّلَمَةِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَتَزَيَّا بِالدِّينِ: هَذَا حُكْمٌ بَارِدٌ، وَمَا فَهِمَ ذَاكَ الْأَحْمَقُ أَنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ. وَفِي الْحَمْقَى مَنْ يَقُولُ: أَيُّ فَائِدَةٍ فِي خَلْقِ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ أُنْمُوذَجٌ لِعُقُوبَةِ الْمُخَالِفِ وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ يَتَزَيَّا بِالْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَهَيْت أَنْ يَجْعَلَنِي وَزِيرًا فَأَدْبَرَ. وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ شَاعَ فَلِهَذَا مَدَدْت النَّفْسَ فِيهِ.