فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 454

وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا كَانَ فِي دِينِ عِيسَى، وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً خَالِصَةً عَنِ الْحَرَجِ خَفِيفَةً عَلَى الْآدَمِيِّ، يَأْخُذُ مِنَ الْآدَمِيَّةِ بِشَهَوَاتِهَا وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَرَأَى الْقُرَّاءُ وَالْمُخْلِصُونَ مِنَ الْفُضَلَاءِ الِانْكِفَافَ عَنِ اللَّذَّاتِ وَالْخُلُوصَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَماوَاتِ الْيَوْمَ أَوْلَى ; لِمَا غَلَبَ عَلَى الدُّنْيَا مِنَ الْحَرَامِ، وَاضْطُرَّ الْعَبْدُ فِي الْمَعَاشِ إِلَى مُخَالَطَةِ مَنْ لَا تَجُوزُ مُخَالَطَتُهُ وَمُصَانَعَةِ مَنْ تَحْرُمُ مُصَانَعَتُهُ، فَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ، وَالْفِرَارُ عَنِ الدُّنْيَا أَصْوَبُ لِلْعَبْدِ وَأَعْدَلُ ; قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أَيْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَحْزَنْ عَلَى مَا مُتِّعُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا فَلَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقِيلَ: لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَارُوا إِلَى الْعَذَابِ فَهُمْ أَهْلُ الْعَذَابِ.

وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ أَلِنْ جَانِبَكَ لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَتَوَاضَعْ لَهُمْ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الطَّائِرَ إِذَا ضَمَّ فَرْخَهُ إِلَى نَفْسِهِ بَسَطَ جَنَاحَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى الْفَرْخِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ وَصْفًا لِتَقْرِيبِ الْإِنْسَانِ أَتْبَاعَهُ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ خَافِضُ الْجَنَاحِ، أَيْ وَقُورٌ سَاكِنٌ. وَالْجَنَاحَانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ جَانِبَاهُ ; وَمِنْهُ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ وَجَنَاحُ الطَّائِرِ يَدُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَحَسْبُكَ فِتْيَةٌ لِزَعِيمِ قَوْمٍ يَمُدُّ عَلَى أَخِي سَقَمٍ جَنَاحَا" [1] ."

(1) الجامع لأحكام القرآن ... » سورة الحجر ... » قوله تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» الجزء العاشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت