المجتمع ككيان اجتماعي مركّب من مجموعة من الأسر، فإذا ما صلح حال الأسرة صلُح حال المجتمع، وإذا ما فسد حال الأسرة فسد حال المجتمع، ولهذا فالعلاقة بينهما طرديّة، ولا شكّ أنّ الانطلاقة الصحيحة للأسرة في توجيه أفرادها يعكس على المجتمع، ولكنّ القوّة الضاربة فيه قد تؤثّر في مسار الفرد، حتى ولو كان ناشئا من أسرة محافظة تراعي القيم والجوانب السلوكيّة، وهذا ما هو مشاهد في كثير من المجتمعات الإسلاميّة.
إنّ مظاهر الفساد قد انحدرت عيانا في الشوارع والمجامع والنوادي، بعدما كانت تُفعل في خفاء، وصار الأمر أشبه بالعادي، حتّى صارت القيم الحسنة هي المستغربة في مثل هذه الأزمنة، فإن كان المجتمع الإسلامي ينبذ المرأة المتبرّجة السافرة التي تخرج من بيتها وهي تبدي مفاتنها وقد أمرها الله تعالى بالستر، فإن المعايير الجديدة المعكوسة صارت تَعتَبِر المرأة المحجّبة الحَييّة نمطا قديما رجعيّا من نساءٍ لا زلن في عُزلة عن الخطوة العظيمة التي يخطوها العالم صوب التقدم والعولمة، ولا زال الرجل المستقيم على طاعة الله تعالى المحافظ على تعاليم الشريعة، نقطةً سوداء في نظر الأكثرين، وما هذا إلا تقليدًا للغرب فيما لا منفعةَ من ورائه، كما قيل:
قلّدوا الغربي لكن في الفجور .... وعن اللبِّ استعاضوا بالقشور
ونتيجة تلاشي المقوّمات الاجتماعيّة وحروب الغزو الفكري التي تُمدّ بشتّى الوسائل، حرصت الدول الغربيّة أشدّ الحرص على أن تتقبّل الشعوب الأخرى ثقافتها وشعاراتها طوعا أو كرها، وأكثر ما يضايقها أن تستقل الأمم الأخرى عنها وخاصة الاستقلال الثقافي، وهو من أهمّ مظاهر الاستقلال كما يقول علماء الأنثربولوجيا والتربية وعلم الاجتماع.
وكان يرى المؤرّخ ابن خلدون في دوافع تقليد المغلوب للغالب هو بلوغ الهزيمة في النفس واعتقاد الكمال في من قهرها؛ ونحن نعيش زمن هزيمة حضاريّة بكلّ المعايير، يتهاون الناس في مثل هذه الشعارات والأفكار التي لا يدركون معناها في تلك المرحلة، لأنّهم في سبات، ولو كانت الصدارة والريادة والغلبة للمسلمين، والأمم الأخرى ذليلة مقهورة تحت سلطانهم لرأيت ملوك وسلاطين الغرب وشعوبها يتّبعون الثقافة الإسلاميّة شبرا بشبر.
فكان لزاما على المجتمع أن يعرف الوسائل التي تعين على ترابط أفراد الأسرة، وأن يجتنب أبناؤها كلّ ما يمسّ عقيدتهم وسلوكيّاتهم ويذهب بحضارتهم العريقة التي تستمدّ قوّتها من النصوص الشرعيّة، فقيام المجتمع وحسن التعامل فيه، مبنيّ على القوّة العلميّة والقوّة العمليّة (العلم وقوّة الدولة) ؛ ولنبدأ بالمؤسّسات التعليميّة في المجتمع لأنّ الفرد ينشأ فيها بعد البيت الأسري.
أولا: دور المؤسّسات التعليميّة: ونقصد بالمؤسّسات التعليميّة كلّ الهيئات والجمعيّات والمعالم التي تحرص على تعليم أفراد المجتمع، على وفق مناهج دراسيّة مقرّرة، ويشمل هذا:
1_ دور المدرسة: وهي أوّل محطّ رحال الأطفال، وهي منطلق المنبع العلمي للطفل بعد أبويه، وفيها تبدأ مسيرةٌ علميّةٌ قد تدوم أكثر من خمس عشرة سنة، إن سارت على طريق صحيح، فترى الطفل منذ صغره إلى أن يتخرّج من الجامعة قد أفنى زهرة شبابه في هذه المؤسّسات، التي لها الدور الفعّال في حسن أو سوء استغلال أفراد المجتمعات.