فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 121

كلّ هؤلاء علموا قبل الرسالة المحمّدية الخالدة أن الخمر مسكر مذهبٌ للعقل والمروءة والحياء، قد جلب لهم من الإهانة والخساسة ما تترفع عنه نفوسهم الأبية التي كانت لا ترضى بالدون أبدا، وبهذا يفهم الناظر في سيرة العرب أنّ المعقول عندهم كان أمرا معروفا، وما الشريعة إلا مؤصّلة لهذا النظر العقلي الذي جاء الخطاب الشرعي بوجوب إعماله على وجهه الصحيح.

وقد قرر علماء الإسلام قاطبة أنّ صحيح النقل لا يخالف أبدا صريح العقل، بل هما متفقان، فالخمر قد حرّمها من تقدّم بالنظر إلى مساوئها التي قد طغت على محاسنها، فكان النظر في ذلك موافقا تماما لمقصود الشرع من تحريمها.

ولما كانت رحمة الله تعالى واسعة وعَلِم من عباده الضعف والجهل، تدرّج الخطاب الشرعي في تحريم الخمر على ثلاث مراحل، وفيها ثلاث آيات نزلت بعد آية النحل الدالة على إباحة الخمر في قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النحل: 67) ومع ذلك فقد أشار ربّ العزّة إلى ضرر الخمر فيها بحيث وصف الرزق بالحَسَن، ولم يصف السكر بذلك؛ تمهيدًا لتحريمها، وآيات التدرج في تحريم الخمر هي:

الأولى: آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ولم يجزم فيها بالتحريم، وهي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (البقرة: 219 (وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها، وشربها آخرون للمنافع التي فيها.

الثانية: آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43 (الآية.

الثالثة: آية المائدة الدالة على تحريمها تحريمًا باتًا، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة: 90 - 91) .

فاستطاع القرآن الكريم بمنهجه الفريد أن يعالج مشكلة ورثها القوم كابرا عن كابر، وهكذا ذكرت أمنا عائشة -رضي الله عنها- التي تعرف جيِّدًا عمق مشكلة الخمر في نفوس المجتمع الجاهلي؛ حكمة التدرُّج الذي نزلت به الآيات:"... ولو نزل أوَّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا ..." [1] فصار الامتناع عن المسكر أصلا من قواعد الدّين، وكلّ ما جاء الدّين به فهو أصلٌ في صيانة الدنيا، فترتّبت على هذه الأحكام قواعد وأسس، صارت المرجع الأوّل في كل ما عاد إلى الخمر من المسكرات والمهلوسات والمنشطات، انطلاقا من قوله تعالى يَاأَيُّهَا

(1) أخرجه البخاري (4993) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت