حيث تقرر أن العلاقة مع المخالفين ـ بما فيهم المبتدعة ـ مبناها على قواعد المصالح والمفاسد فإن هذا لا يقتصر على العلاقة السلبية وهي الهجر أو عدمه، وإنما يتجاوزه إلى العلاقة الإيجابية البناءة، وهي التعاون معه على وجوه البر؛ بما لا يؤثر على القاعدة الكلية في اعتبار الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذه ليست خاصة بالمبتدع، وإنما تنتظم كل مخالف.
وأخطأ قوم فجعلوا مسألة التعاون مع المبتدع ممنوعة في كل حال على كل شخص، بناء على اعتقادهم أن سبب المنع نص يحرم ذلك؛ كنص تحريم الكذب والغيبة، والصحيح ما تقرر في هذه الورقة من أن ذلك مبني على السياسة الشرعية وقاعدة المصالح والمفاسد؛ فما أنتجه إعمالها وجب العمل به والمصير إليه، ولا يختص التعامل مع المبتدع بذلك؛ بل هو شامل لكل ما لم يرد فيه نص بالمنع أو الإباحة، وحصل فيه التعارض بين المصالح والمفاسد عند العمل به.
وأكثر ما يشتبه هنا ما يراه البعض من أن في التعاون مع المخالف تزكية له، وإضفاء للشرعية على أعماله؛ مما ينتج دعما لبدعته وتكثيرا لسواده. وهذا قد يكون حقا في بعض الأحيان، ولكن لنحذر هنا أعظم الحذر من الأوهام التي تغذيها المعاني الترابية من حزبية أو إقليمية أو تاريخية رسخها ترك النظر والاستدلال؛ فهو أعظم ما يحجب عن رؤية الحقيقة في هذه المسائل؛ لاسيما وأنها مسائل تقديرية.
وأعرض هنا لبعض النماذج التي تدل على مشروعية التعاون معه ودعمه في ضوء تلك القاعدة: