فهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل مسيره إلى قريش في سرًا؛ ليجعل من عنصر المفاجأة سببا لحسم المعركة؛ فقام حاطب بن أبي بلتعة بعمل خطير آثاره مدمرة حيث سعى لتبليغ المشركين بذلك.
فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لقد جعل من حسناته سببا للعفو عنه.
وإذا رجعت إلى الواقع وجدت أن أكثر الخلاف وأكثر العدوان على المخالفين راجع إلى ترك هذه القاعدة أو التفريط فيها.
فكثير ممن فوقت لهم سهام العدوان، وتمزقت الأمة بسببه هو ضياع هذا الأصل.
وقد قال أبو عبدالله الهروي صاحب"منازل السائرين": (إن من حقائق التوبة طلب أعذار الخليقة) ؛ فقرر ابن القيم في"المدارج" (1/ 196) بأن هذا من الاحتجاج المذموم بالقدر، وأنه يلزم منه عذر عباد الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليس وجنوده، وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر وهم من الخليقة، أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟
إلى أن قال: ( .. ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به؛ فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عد خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكات) .
وقد اعتبر الإمام ابن تيمية هذه القاعدة في موازنة حسنات الصوفية بسيئاتهم، ووجد من كثير منهم أو أكثرهم بدع اعتقادية وعملية؛ كالتي تُنسب إلى المعاصرين منهم فانتهى إلى اعتبار فضلهم بتغليب حسناتهم على سيئاتهم، وذلك في السماع الصوفي المشتمل على منكرات ومزالق؛ فقال رحمه الله تعالى في"الفتاوى" (11/ 428) :