وإذا استرخى عن استشعار ذلك حل محله ظن الكمال والكِبْر؛ فيُزين الشيطان له عمله، ويزيده إغواء بأن يوهمه أن هذه الظنون هي الثقة بما ما معه من الحق، والعزة على أهل الباطل.
ومن اتهم نفسه رأى نفسه في كل وقت محتاجًا إلى التعرف على أسباب العدل، ورآها محتاجة إلى النصيحة والتقويم.
وإذا فرط في عمل القلب فقد وقع في الظلم والجور دون أن يعلم.
ومن أسباب العدل: أن ينظر إلى أعماله السابقة، وأحكامه السالفة، وكذلك أحوال الظلمة؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه؛ فإذا قومها فرأى فيها سدادًا وتوفيقًا حمد الله تعالى عليه، وإن رأى غير ذلك راجع نفسه وذاكرها؛ حتى يقيمها على أمر الله، ومن ترك تقويم الماضي ومراجعته عاد إلى جوره مرة أخرى دون أن يشعر.
ومن أسبابه: الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه؛ فإن جرب من نفسه ضعفًا عندها وخورًا في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم؛ فليكن على حذر.
ولهذا كانت البيعة العظيمة التي قال عنها عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكارهنا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالعدل أين كنا لا نخاف في الله لومه لائم. رواه النسائي وهو صحيح، وأصله في"الصحيحين".
وتأمل في الشجاعة أمام المبغَضين قول الله تعالى:"وَلاَ يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتقْوَى".