فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 75

لقد كان لأهل العدل هذا المقام لأنه ليس دعوى مجردة، أو أمنية لا عزيمة معها، أو شعارًا لا معاناة في تحصيله؛ ولكنه أسباب تتراكم وتجتمع؛ فمن حققها تحقق عنده العدل وإلا جار في تعامله مع الآخرين، وفي حكمه عليهم دون أن يشعر.

وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أمورًا إن وجدها كان حريًا بوصف العدل، وإن فقدها فهو على خطر:

فمنها: تحصيل العلم الشرعي؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها.

ومنها: التأني، وأن يجعل للزمن مجالًا قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة.

ومنها: العلم بواقع الحال، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله، والأسباب والدوافع لذلك الفعل، وأسباب المعذرة، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل.

فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمرًا عظيمًا بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولًا بقوله: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟، ثم سأله عن السبب؛ بقوله:"ما حملك على هذا"؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيرًا في الحكم، ثم أعفاه من العقوبة؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال:"وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

ومنها: اتهام النفس؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل، والوقوف على ما يعين عليه، ومتى كان المرء مزريًا على نفسه متهمًا لها، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت