فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 75

والفعل وإن كان يُسمى كفرًا بيقين فلا يجب الحكم على الفاعل بالكفر، وإجراء أحكامه الظاهرة مادام متأولا في ذلك، أو مستترًا به، أو متنصلًا مما نُسب إليه.

ولا يعني هذا منع أو تحريم إلحاق الوصف به؛ بل يجوز ذلك، عند تحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وظهور الحجة التي يكفر منكرها، وهذا إنما يكون للحاكم، وليس لآحاد الناس.

وقد أخطأ في ذلك كثير من الناس فظنوا أن تكفير المعين هو مثل معرفة الكفر والحذر منه؛ فمن لم يُظهر تكفير من فعل كفرا أو قاله فقد فرط في حق الإيمان؛ بل غلوا في ذلك؛ فرأوا أنه لا يصح لهم إيمان إلا بذلك.

والناظر في هديه صلى الله عليه وسلم يظهر بجلاء أنه لم يقم أحكام الكفر على من ظهر منه ذلك سواء كان من المؤمنين؛ كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين وُجدت منه مظاهرة للمشركين على المؤمنين؛ بل إن آية البراء من المشركين التي كُفِّر به كثيرون قد نزلت فيه رضي الله عنه، أو كان من المنافقين الذي بدت منهم مقالات الكفر؛ كقولهم: ليخرجن الأعز منها الأذل، وكقولهم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل.

وقد بين الإمام ابن تيمية كما في"مجموع الفتاوى" (12/ 487) سبب الخطأ والانحراف في هذه المسألة بتقريره أن القائلين بالكفر بمجرد فعل ذلك أو قوله قد أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، وأنهم كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وُجِدت هذه الشروط، وانتفت تلك الموانع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت