ولا يُنكر انصراف كثير من جهال البشر ورعاعهم، ممن غلظ حجابُ قلبه، وطمست بصيرته، عن الانتفاع بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من علم أن طاعته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طاعة الله خالق الداء والدواء، ومدبر النفوس ومنشئها، فكما لا ينتفع المنافقون بالقرآن، بل يزيدهم رجسًا على رجسهم، كما قال تعالى (( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا * فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرين ) )، وكما قال تعالى (( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) )، وكما قال تعالى (( وننزل من القرآن ما هو شفاء للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) )، فكذلك طب النبوة إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول والتسليم، واليقين والتفويض، وصحة الاعتقاد بحصول الشفاء به.
وإعراض أكثر الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن، وليس ذلك إلا من خبث الطبائع، وغلبة الفساد، وضعف اليقين، وصدق الله العظيم إذ يقول (( إنما يستجيب الذين يسمعون ) )، وقال تعالى (( ومن يهن الله فما له من مكرم ) ). ومما يذكر هاهنا من روائع الإقتداء بهدى النبوة، سيما في تطببه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحجامة وإعطائه الحجام أجره، ما رواه أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال نا أبو بكر المروذي قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما كتبت حديثًا عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وقد عملت به، حتى مرَّ بي الحديثُ (( أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم، وأعطى أبا طيبة دينارًا ) )، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.