فللحجامة في ترويق الدم وتصفيته من الشوائب والأخلاط والنفايات، ما للنار في الحديد من تصفية جوهره، ونفى خبثه، فهى أشبه الأشياء بالكير الذى ينفى خبث الحديد. وهى أنفع العلاجات للقلب وجهازه الدورى، بما تخلصه من المواد الرديئة والنفايات اللزجة التى ربما أحدثت سددًا لمجراه، وبما تستحثه من تجديدٍ وتعويض لكمياته المستنزفة، وهى مع هذا كله أشد أمنًا من الفصد، وخاصة للعروق التى لا يمكن فصدها بحالٍ، ولفصد كلٍّ منها فائدة خاصة.
وبسط هذه المعانى سيرد ذكرها في باب الحجامة في الطب الحديث.
ومع تقدم وسائل المعرفة بمكونات الدم، ودورته في البدن، وحمله للغذاء ونفاياته، وتأثيره الحيوى في حفظ طبيعة البدن ومزاجه، اختلفت نظرتنا عن أسلافنا الذين ربما عبروا عن فائدتها تعبيرًا غامضًا يخفى تصور دلالته على الكثيرين، ومن أعجب ذلك ما نقله المناوى فى (( فيض القدير ) ) (3/ 403) عن التوربشتى حيث قال: (( ووجه منفعة الحجامة الأبدان: أن الدم مركب من القوى النفسانية الحائلة بين العبد وبين الترقي إلى ملكوت السموات، والوصول إلى الكشوف الروحانية، وبغلبته يزداد جماح النفس وصلابتها، فإذا نزف الدم أورثها ذلك خضوعًا وخمودًا ولينًا ورقةً، وبذلك تنقطع الأدخنة الناشئة من النفس الأمارة، وتنحسم مادتها فتزداد البصيرة نورا إلى نورها ) ). وهذا الذى قاله التوربشتى أشبه بالألغاز والأحاجى منه بالمعرفة الواعية عن الدم: ذلك الكائن الحيوى الفعال الذى يحفظ على البدن حياته وحيويته وبقاءه!!.