بالأول كل يقرأ على لغته بدون أن يكون هناك حصر، لكن لما كانت يخشى من هذا الخلاف أجمع الصحابة على ذلك.
يؤخذ من فعل عثمان - رضي الله عنه - وغيره من الخلفاء أن الشيء وإن كان مشروعًا إذا كان يخشى منه الفتنة فإن الأولى تركه، بل قد يجب تركه إذا كانت الفتنة كبيرة، وهذه مسألة قَلَّ من يتفطن لها، بعض الناس يقول: سأفعل السنة ولو حصل ما حصل ولو بسفك الدماء، وهذا غلط عظيم؛ لأن أصل الشريعة مبني على جلب المصالح وتحصيلها ودرء المفاسد وتقليلها، فإذا كان يترتب على إبقاء القرآن كما هو عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر وعمر يترتب اختلاف المسلمين وتنازعهم في كتاب الله فهذه مفسدة عظيمة، ندع الأول وإن كان فيه التيسير على الناس حيث إنه على سبعة أحرف فإننا ندع الأول ونأخذ بالثاني، وهذه قاعدة أود منكم يا طلبة العلم أن تكون لكم على بال وأن لا تهملوها وتغفلوا هذه القاعدة العظيمة؛ ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا من الفتنة [1] ، وكذلك أيضًا عثمان - رضي الله عنه - ترك إبقاء القراءات على ما هي عليه في عهد الرسول وأبي بكر وعمر، كله اتقاء الفتنة لأن جمع كلمة المسلمين أمر مهم. اهـ. [2]
(1) عن الأسود قال: قال لي بن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرا، فما حدثتك في الكعبة، قلت: قالت لي: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم - قال بن الزبير بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون، ففعله بن الزبير باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا". أخرجه البخاري برقم (126) ، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، ومسلم برقم (1333) ، باب نقض الكعبة وبنائها.
(2) شرح أصول في التفسير للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى (ص 81 - 82) .