وما أحوج الأمة- والخطر يدق أبوابها - أن ترجع إلى المنهل العذب، والنبع الصافي وتحاول علاج أمراضها النفسية بالعلاج النبوي الرباني. وأن تتدبر هذه الكلمات الطيبة وتعمل بها بدلًا من التقلد الأعمى للغرب ومراجعة العيادات النفسية التي يتولاها أحيانًا الدجالون والذين لم يعرفوا الإسلام ولم يفقهوه وبدلًا من اللجوء إلى السحرة والمشعوذين والكهنة الذين أضلوا الناس وأبعدوهم عن عبوديتهم لله.
بين الشيخ في مواضع عديدة من كتبه [1] . أن المحبة أصل كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وأن وجود الفعل لا يكون إلا عن محبة وإرادة وهذا يحصل بتدبير الملائكة الكرام الذين وكلهم الله تعالى بتصريف الأمور بإذن الله وحتى دفع الإنسان للأمور التي يكرهها. أصله أيضًا المحبة، فهو يحب العاقبة المستلزمة لشرب الدواء المكروه، وقطع اليد الشلاء، ولكنه لا يترك ما يحبه ويهواه، وهذا يدل على أن المحبة أصل كل فعل ومبدؤه، وهذا من الأدلة على أن الحب من أعظم الدوافع إلى السلوك والعمل. يقول الشيخ رحمه الله: (( ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب فكلما قويت المحبة في القلب طلب فعل المحبوبات ) ).
وهذا بخلاف الخوف فإنه يحصل لسبب ويزول لزواله.
وإذا كان كذلك فليس في الوجود من يحب لذاته إلا الله لما أنعم علينا من النعم العظيمة والآلآء الجسيمة وأتمها بنزول القرآن العظيم وببعثة الرسل الكرام والصالحين فنحن نحبهم لأن الله أمرنا بهذا الحب. والمحبة من أعظم العبادات القلبية التي يجب صرفها لله. أعني المحبة التي تستلزم الخضوع والذل وإيثار المحبوب- بخلاف المحبة المشتركة التي لا يقرنها الخضوع مثل محبة الوالد لولده والصديق لقرينه فلا يكون وجودها شركًا، ولكن من تمام المحبة وكمالها أن تحب ما أحبة الله من الأشياء، وفرق بين الحب مع الله، وهو الشرك الذي لا يغفر والحب لله.
والشيخ رحمه الله يربط بين المحبة والعبودية فبين أنه لا بد من اجتماع الحب والخضوع لله وحدة فيقول: (( بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شئ، وأن يكون أعظم عنده من كل شئ ) ) [2] .
(1) انظر مثلًا رسالة المحبة ضمن جامع الرسائل المجلد الثاني والاستقامة، روضة المحبين لابن القيم.
(2) العبودية (ص 10) .