الصفحة 9 من 32

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (الجمعة: من الآية 2) فقد امتن الله على هذه الأمة ببعثة الرسول الكريم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور. وقدم في الآية العلم على التزكية من باب تقديم العلم على العمل. لأن التزكية ثمرة من ثمار سماع كلام الأنبياء وإرشاداتهم. وهذا يحصل بالعلم الإجمالي والذكر العام الذي ينتفع به أقوامهم فيهتدون إلى الحق وتقوم به الحجة على آخرين فيستحقون العذاب في الآخرة. يقول شيخ الإسلام في التذكير العام وافتراق الناس فيه: (( والتذكير المطلق العام ينفع، فإن من الناس من يتذكر فينتفع به، والآخر تقوم عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك، فيكون عبره لغيره، فيحصل بتذكيره نفع أيضًا، ولأن بتذكيره تقوم عليه الحجة، فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره فتحصل بالذكرى منفعة ) ) [1] .

وقال أيضًا: (( كذلك التذكير عام وخاص، فالعام هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد، وهذا يحصل بإبلاغهم ما أرسل به من الرسالة [2] .

والمقصود أن التزكي لا بد أن يسبقه علم عام وتذكرة عامة كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} (الأعلى:9) . فهذا لابد منه لحصول التزكي، فإذا حصل التزكي حصل التذكر التام النافع المؤثر. ولهذا قال تعالى في حق الأعمى الذي جاء إلى الرسول يطلب منه التعليم والإرشاد والنفع: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} (عبس:1 - 4) . فأمر رسوله أن يقبل على من جاء يطلب التزكي والتذكر. وذكر هنا الذكر التذكير بعد التزكي، وهذا والله أعلم غير التذكر الذي تقوم به الحجة. فقد ذكر هنا الذكر التام الذي ينكره المذكر به

(1) دقائق التفسير لابن تيمية، (5/ 79) .

(2) نفس المصدر (5/ 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت