ولما كانت الأعمال والقربات كالصلاة والزكاة وغيرها. إنما شرعها الله لتزكية النفس وتطهيرها من الرذائل ولتبلغ الكمال في العبودية والطاعة لله. فلا يجوز والحال هذه الفصل بين العبادات وثمرتها؛ لأن الله قرن بينها فلا تزكية إلا بالعبادة. وكذلك العبادة ما لم يظهر آثرها على سلوك المسلم وتصرفاته، فتمنعه من ارتكاب الحرام، فإنها قد لا تنفع صاحبها في الآخرة وإن كانت تسقط عنه الواجب في الدنيا، والناس في هذا على صنفين:
القسم الأول:
ظنوا أن أعمال القربات والعبادات مقصودة لذاتها - أي يؤديها شكليًا - وإن لم يظهر آثرها على أخلاق المسلم ـ وهؤلاء فرغوا العبادة من ثمرتها ومقصودها الأعظم وهي التقوى. وقد بين الله أن من لم يحصل له التقوى من عبادته لله فهو لم يقم بحق العبادة لله؛ لأن شأن المسلم أن يكون مستقيمًا خائفًا وجلًا من الذنوب حريصًًا على حب الخير وفعله. والله دائمًا يقرن بين العبادة وثمرتها قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183) . والتعامل مع العبادة على هذا الأساس يجعل القلوب قاسية بعيدة عن الله. وبهذا يسهل الخروج عن أوامر الله والتحايل علي شرعه لضعف الوازع والخوف من الله.
القسم الثاني:
الذين ظنوا أن العبادات مقصودة لغيرها. فإذا حصل عندهم المقصود من العبادة وهو التقوى - زعموا - فلا عليهم لو تركوا العبادات. والمقصود عندهم عكوف القلب على الله وحصول الجمع فإذا جاءهم ما يفرق جمعيتهم ولو كان صلاة الفريضة في المسجد تركوه. ويتأولون قوله تعالى: ... {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر:99) . وخطر هؤلاء أعظم من القسم الأول؛ لأن اتباع الأهواء والآراء في الديانات أعظم منه في الشهوات. والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية كما قال السلف، ومع ذلك فهم لم تحصل لهم التقوى الواجبة، لأن التقوى هي فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور. كما قال شيخ الطريقة وناصر السنة عبد القادر الكيلاني رحمه الله [1] .
(1) راجع (( شرح كلمات الشيخ عبد القادر الكيلاني ) )لابن تيمية، بتحقيق الأخ إياد عبد اللطيف إبراهيم، طبع مكتبة المثنى ببغداد.