أما ما يفعله صوفية زماننا من الصياح والزعيق في سماع القرآن أو غيره من هذا النوع بل هو شهقة المنافق، فلو وقف أحدهم على حائط أو مرتفع لما حصل له ذلك لأنه يفعله تصنعًا ورياء.
وهو فناء الملاحدة والمنافقين. والذين جعلوا الوجود وجودًا واحداًَ، وقد أوقع هذا الفناء بالكثير من أدعياء التصوف إلى فعل المعاصي والفسوق وأوقع بالآخرين إلى عبادة الأصنام والأوثان وتساوت عندهم جميع الحوادث فلم يفرقوا بين البر والفاجر والمأمور والمحظور وهذا الفناء (هو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم) [1] .
وقد بين الشيخ أن من الأصول التي يعتمد عليها هؤلاء الاتحادية ما يأثرونه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه .... ) .
وهذا الحديث حجة عليهم فقد أثبت الله سبحانه نفسه ووليه ومعادي لوليه. وأخطأوا في استدلالهم بهذا الحديث على الاتحاد العام بل هو دليل على الاتحاد الوصفي يقول الشيخ في رده على هؤلاء: (( وهذا الموضع زلت فيه أقدام ـ أي الفناء عن شهود السوى إذا قوى وضعف التمييزـ وظنوا أنه اتحاد، وأن المحب يتحد بالمحبوب، حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودها وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد به شئ أصلًا ) ) [2] .
ولهذا اتفق سلف الأئمة على أن الخالق مباين لمخلوقاته، وليس في مخلوقاته شئ في ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته.
وقد اعتنى بالرد على هؤلاء، بل أعلن حربه عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عامة كتبه [3] . ولما تضمنت أقوالهم من الكفر الصريح والإنكار لوجود الرب ومباينته لمخلوقاته، وقد
(1) العبودية (ص 128) .
(2) وانظر على سبيل المثال لا الحصر (( مجموعة الرسائل والمسائل ) )الجزء الأول فقد تضمن رسالة فيها إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين به، والجزء الرابع وفيه حقيقة مذهب الاتحاديين وبيان شبهاتهم والرد عليهم بالبراهين النقلية والعقلية.
ومن الكتب أيضًا (( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) )و (( ولرسالة السبعينية ) )وغيرها من الرسائل النافعة في بيان حقيقة مذهب هؤلاء القوم.
(3) وانظر العقود الدرية: وفيه بعض المحن التي تعرض لها الشيخ بسبب هؤلاء وأقرانهم وانظر مثلًا الصفحات التالية: (ص 194 - 197 - 267 - 285) .