وهذا النوع هو (أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده، وبمذكوره عن ذكره، حتى يفني من لم يكن، وهي المخلوقات، ويبقى من لم يزل، وهو الرب تعالى) وهذا النوع سببه كما قلنا المحبة المجردة عن الذل والخضوع، وهو يحصل لكثير من السالكين. كمن يدهمه أمر عظيم فيبقى قلبه من كل شئ، إلا ما يخافه أو يحبه أو يرجوه.
وهذا النوع من الفناء يبين الشيخ أنه نقص، والدليل على ذلك أن هذا النوع من الفناء يبين الشيخ أنه نقص والدليل على ذلك أن هذا النوع من الفناء لم يقع فيه خير القرون من الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهم: (( فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم أو يحصل لهم غشي أو ضعف أو سكر أو فناء وله أو جنون ) ) [1] .
وكان الصحابة رضي الله عنهم مع قيامهم بالواجبات الإيمانية كالصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الواجبات العظيمة لم يقعوا في هذا الفناء بل عندهم من سعة العلم وقوة الفرقان ما يشهدوه الأمور على ما هي عليه، فيفرقون بين الخالق والمخلوق، والقديم والمحدث، ومن الأدلة التي استدل بها الشيخ على نقص هذا الفناء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرج به إلى السماوات وعاين ما هنالك من الآيات وأوحى إليه ما أوحى من أنواع المناجاة، أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله، ولا ظهر عليه ذلك [2] .
وكلما بعد العصر عن عصر النبوة والولاية قل العلم وفشى الجهل وظهرت البدع ولهذا بين الشيخ أن مبادئ ظهور مثل هذه الأمور لم تقع في العصر الأول لقوة نور السنة ومقاومة الصحابة رضي الله عنهم للبدع وأهلها: (( وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عباد البصرة فإنه كان فيهم من يغشي عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت ) ) [3] . وهذا ما يسمى (بالشهقة) التي تعرض عند سماع القرآن يذكر ابن القيم أن من ذلك قوة الوارد وضعف المحمل [4] . بخلاف الصحابة رضي الله عنهم فالذي كان فيهم هو البكاء ولين القلوب وقشعريرة الجلد.
(1) العبودية (ص 114) .
(2) العبودية (ص 116) .
(3) العبودية (ص 114) .
(4) الفوائد: (ص 5) .