والنص الأخير من كلام الشيخ يذكرنا بالمنهج الخاطئ الذي يعتمده أهل البدع على خلاف مناهجهم في فهم الدين وتناول قضاياه ألا وهو تقديم آراء الرجال والنظر إلى أعمالهم واتخاذها حجة في الدين مثل أقوال وأعمال أرباب السلوك والمقامات. ومعلوم أن هذا المنهج مردود لأن الله تعبدنا بالقرآن والسنة فلا يجوز تقديم قول أحد أو عمله ذوقه أو رأيه ما لم يكن موافقًا لهما.
ذكرنا أن الإنسان كائن حي وأنه مدني بالطبع لا يستقل بنفسه وهو ذو حاجات ومطامع ولا بد له من معبود يوجه له إرادته. فأما أن يكون عبد الله مخلصًا له وإما أن تستعيده الأضواء والشهوات والطواغيت من الجن والأنس الذين يزينون له المعصية ويرتبونها في نفسه ويكون عبدًا لهم. وهكذا كل من استكبر عن عبادة الله وقع في عبادة غيره شاء أم أبي.
يقول الشيخ رحمه الله في توضيح هذه الفكرة: (( فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم:(أصدق الأسماء حارث وهمام) .... فلا بد لكل عبد من مراد ومحبوب هو منتهى حبه وإرادته. فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب )) [1] .
والقلب فيه فقر ذاتي وفيه فراغ لا يملأه إلا حب الله وشعت لا يلمه إلا التوكل على الله ولو حصل له كل أنواع اللذات الدنيوية فإن لا يجد ما يملئ قلبه ويسد خلته بل يبقى مهموم ينتقل من لذة إلى أخرى يقول الشيخ رحمه الله في بيان فقر الإنسان لربه وأنه لا غنى له عنه: (( فالقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلية، ثم يقول(فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة) : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5) فإنه لو أعين على حصول كل ما يحب ويطلب ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادته لله بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله. لا يحب شيئًا لذاته إلا الله، فمتى لم يحصل هذا لم يكن قد حقق حقيقة (لا إله إلا الله) ، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة، وكان فيه من النقص والعيب بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك )) [2] .
(1) العبودية (ص 78) .
(2) العبودية (ص 75) .