وينتفع به كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} (الأعلى: 9 - 11) . قال الشيخ رحمه الله في بيان ذلك: (( فذكر التذكر والتزكي، كما ذكرهما هناك [1] .وأمر أن يقبل على من أقبل عليه دون من أعرض منه، فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذاك، فيكون مأمورًا أن يذكر المنتفعين بالذكرى تذكيرًا يخصهم به غير التبليغ العام الذي تقوم به الحجة ) ) [2] . وهذا هو التذكير التام النافع الذي خص الله به المؤمنين قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (الذريات:55) .فهم إذا آمنوا ذكرهم بما أنزل عليهم. وكلما نزل عليهم شئ من معاني القرآن ذكرهم به فيزدادوا إيمانًًا.
والتذكير التام يقود إلى الخشية والخوف من الله كما قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} (الأعلى:10) ، والعلم التفصيلي والتذكرة التامة توجب الخشية والتفكير في عواقب الأمور- فليس من يعلم كنت لا يعلم - والخشية قد تحصل عقب التذكر وقد تحصل قبله. لأنه إذا خشي أوجب له ذلك علومًا وتذكرة وإرادة صالحة.
والخشية هي الخوف من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأن الذنوب لها عقوبات عاجلة، والخشية لا تكون لمن تيقن أنه معذب، وإنما تكون لمن رجا السلامة من عذاب الله غدًا. قال تعالى في ذلك: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} (الشورى: من الآية 22) وقد يعرض الإنسان في بداية أمره عن طلب السلامة ولا يتذكره لأنه مشغول بالخوف من العذاب على الذنب الذي يقتضيه.
والمقصود أن الخشية تدعو الإنسان إلى التذكر التام والتزكي كما قال شيخ الإسلام: (( لأن الذي يخشى الله لابد أن يرجوه ويطمع في رحمته فينيب إليه ويحبه ويحب عبادته وطاعته، فإن ذلك هو الذي ينجيه مما يخشاه ويحصل به ما يحبه ) ) [3] .
وقد يرد على ما ذكرنا من أن التزكي لابد أن يسبقه الذكر العام قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: من الآية 44) في قصة فرعون الطاغية: فقد ذكر التذكر قبل الخشية. وفرعون لم يحصل عنده من الذكر العام والعلم ما يدعوه إلى خشية الله والاستجابة لموسى، فكيف يوافق ذلك قوله تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} (الأعلى:10)
والجواب هو أن قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} لا يناقض قو له تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} لأنه لم يقل (سيخشى من يتذكر) . بل ذكر أن كل من خشي فإنه يتذكر ولا يخاف، والتذكر كالعلم كما سبق إن كان تامًًا أوجب الخشية والاستجابة قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: من الآية 28) والعلماء هم أعظم من يخشى الله لما حصل عندهم من العلم بالحق والعمل به وقد بينا أن التذكر عام لكل ما يحصل به التذكر ويشمل أيضًا التذكر الذي تقوم به الحجة وينقطع به العذر.
أما حصول الخشية بلا تذكر كصاحب النظرة السليمة التي لم تشوبها الأكدار فإنه إذا سمع بوعيد الله وعقابه خاف وأناب والمؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق وإن لم يسمع به. لاجتماع نور الوحي مع نور الفطرة. فإذا سمع به ازداد نور على نور (( فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا، ثم يسمع الأثر الذي جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه على شهادة الوحي مع شهادة الفطرة ) ) [4]
يقول الشيخ رحمه الله: (( وأيضًا فذكر الإنسان يحصل بما عرفه من العلوم قبل هذا فيحصل بمجرد عقله، وخشيته تكون بما سمعه من الوعيد ) ) [5] . والأغلب حصولهما معًا أي الخشية والتذكر.
(1) دقائق التفسير (5/ 88) .
(2) أي في سورة عبس.
(3) مجموع الفتاوى (16/ 172) .
(4) التفسيرالقيم (ص 374) جمع محمد أويس النووي، وتحقيق محمد حامد الفقي رحمه الله.
(5) دقائق التفسير (51/ 89) .