وعلى هذا فقوله تعالى في قصة فرعون: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} تبين أن التذكر يوافق العلم العام وهو الاعتراف بربوبية الله فيدعوا ذلك فرعون إلى الشكر والإيمان بالله وأن لا يطغى (وإن قدر أن الله لا يعذبه فإن مجرد كون الشيء حقًا ونافعًا يقتضي طلبه وإن لم يخف ضررًا بعدمه كما يسارع المؤمنون إلى فعل التطوعات والنوافل لما فيها من النفع وإن كان لا عقوبة في تركها كما يحب الإنسان علومًا نافعة وإن لم يتضرر بتركها) . وقوله (أو يخشى) (ونفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده الله له من عذاب الدنيا والآخرة فإن هذا الخوف قد يحمله على الطاعة والانقياد إلى التذكر.
فهذا بعض أسرار الجمع بين التذكر والخشية في قوله {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وهذا يدلك على إعجاز القرآن وأنه من عند الله. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} (النساء: من الآية 82)
ذكرنا أن التزكية لابد أن يقرنها العلم التام المؤثر لا الإجمالي التي تقوم به الحجة. فلا تكفي العمومات [1] في تزكية النفس وثباتها على الحق بل لا بد من تعلم ودراسة العلم الشرعي بالقدر المستطاع. ثم العمل به وانصياع القلب بموجبه، معاني العلم النافع والعقيدة السليمة، وكذلك الحذر من وسائل الشرك التي تدنس القلب وتضعف إرادة الخير فيه.
وعدم معرفة الحق والعمل به يؤدي إلى وقوع المسلم في بعض وسائل الشرك وهو لا يشعر، وربما يعرضه للردة - والعياذ بالله - أو السير على غير هدى وبصيرة فيكون حاله كحال الذي قال الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} (الحج: من الآية 11) وما أكثر فتن الدنيا في هذا الزمان. فيحتاج المؤمن إلى حصانة علمية وزاد إيماني يحميه من الوقوع في المخالفات الشرعية.
ولهذا كانت تربية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه الكرام في مكة تتركز بتزكية نفوسهم على معاني العقيدة الصحيحة والعلم النافع حتى صفت نفوسهم وأرواحهم وأصبحوا القدوة العليا والمثل الحي في طهارة النفس والتعبد لله ظاهرًا وباطنًا. ومكن الله لهم في الأرض، وأسعدهم في الآخرة.
(1) من هذه المعلومات مثل كون أن الإسلام حق يجب اتباعه فهذا وحده لا يكفى.