تعرض على أيديهم لأنواع من الأذى وأدخل السجن بسببهم مرارًا حتى مات رحمه الله في محبسه الأخير بدمشق وهو يتلو قول الله عز وجل [1] .
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر: 54 - 55)
ذكرنا أن التزكية امتثال حقيقي للإسلام لا ظاهر صوري بل يشمل الظاهر والباطن والقول والسلوك وقد تمثلت في ابن تيميه صورة العابد الورع الزاهد المجاهد في سبيل الله، ففي الوقت الذي كان فيه الشيخ يطارد كل مظاهر الانحراف والضلال التي لحقت بعقول المسلمين وراجت في عصره مظاهر الابتداع وخاصة في أمور العبادة وحاول إرجاع المسلمين إلى المصادر الأصلية (الكتاب والسنة) . كان في الوقت نفسه صورة حية تعكس للناس مدى التزام الشيخ بمظاهر العبودية الحقة و الالتجاء الصادق إلى الله وأنقل إليك أخي القارئ نماذج حية من أقوال تلامذته ومن عاصره تدل على ذلك:
فقد نشأ الشيخ في أسرة كريمة اشتهرت بالعلم والورع والزهد وحب العلم والعلماء، وقد ورث ابن تيمية رحمه الله من آله الورع والزهد واللجوء إلى الله والدعوة إلى دينه وحفظ القرآن فقد تحدث كتاب التراجم ومؤرخو الإسلام بأنه"نشأ في تصوف تام، وعفاف، وتأله واقتصاد في الملبس والمأكل فلم يزل ذلك خلقه، صالحًا برً بوالديه تقيًا، ورعًا [2] ، عابدًا، ناسكًا، صوامًا، قوامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وفي كل حال."
رجاعًا إلى الله تعالى، وقافًا عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر لا تكاد نفسه تشبع من العلم ولا تروى من المطالعة ولا تمل من الاشتغال ولا تكل في البحث ..." [3] ."
(1) وهذه الآية الكريمة هي آخر ما تلفظ بها الشيخ. وقد رؤي بعدها في المنام رآه ابن القيم: فسأل كيف منزلتك؟ فأشار الشيخ إلى علو منزلتة فوق أكابر هذه الآمة.
(2) إن أموالًا عظيمة كانت تصل من الملوك والتجار إلى الشيخ وكان لا يبقي منها درهمًا واحدًا لنفسه بل يوزعها على المستحقين.
(3) انظر: مقدمة كتاب الصارم المسلول بتحقيق محمد حامد الفقي.