وابن القيم رحمه الله الذي لازمه مدة طويلة جدًا. ووقف معه في المحن التي تعرض لها وقد حبس معه بسبب التهم الباطلة التي وجهت إليهما، ولم يخرج عن ابن القيم إلا بعد وفاة شيخه يقول رحمه الله واصفًا مدة إقامته بالحبس وما عليه حال الشيخ من انشراح الصدر وقوة القلب:"وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة [1] ، وكان يقول في محبسه الأخير في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكري هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم عني ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس:"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه من ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدهما، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل .... [2] ."
وقال الحافظ البزار في المناقب العامة وقد سأله جماعة أن يكتب لهم عن عبادة الشيخ بعد ما ت وفي فقال رحمه الله:"أما تعبده رضي الله عنه، فإنه قد أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، حتى أنه لم يجعل لنفسه شاغله تشغله عن الله تعالى، ما يراد له لا من أهل ولا من مال."
وكان في ليلة متفردًا عن الناس كلهم خاليًا بربه عز وجل ضارعًا مواظبًا على تلاوة القرآن ا لكريم مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر
(1) وما أحوج المسلم اليوم وهو يعيش في خضم هذه الفتن أن يتحلى بهذه الروح الإيمانية فتنير له الطريق إلى الآخرة ورضوان الله، فيظفر بإحدى الحسنين إما النصر أو الشهادة.
(2) الوابل الصيب لابن القيم: بتحقيق الأخ إياد عبد اللطيف إبراهيم، طبع مكتبة المثنى. وهكذا يكون المسلم يثبت نفسه على معاني الحق ويكون مثبتًا لغيره - وذلك بالنصح والإرشاد.