الصفحة 32 من 32

يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم - أي في البيت - وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تنخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميله يمنة ويسرة. وكان إذا قرأ يمد قراءته مدًا كما صح في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله عز وجل وكان دعائه يفتتحه ويختتمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يشرع في الذكر، وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما سمع ذكره من إلى جانبه هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة.

وكان إذا رأى في طريقه منكرًا أزاله، أو سمع جنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه [1] .

ثم يعود إلى المسجد فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه، ثم يقول البزار رحمه الله:"فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالبت - أي صحبته للشيخ - ولا والله ما مر في عمري إلى الآن، زمان كنت أحب إلي من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالًا من حينئذ وما كان إلا ببركة الشيخ رحمه الله" [2] .

ويحدثنا الحافظ محمد عبد الهادي عن حياة الشيخ في آخر جزء من حياته:"وأقبل الشيخ بعد إخراجها - الكتب والأوراق التي يكتب فيها - على العبادة والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين."

وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ثمانين، أو إحدى وثمانين ختمة انتهى في آخر ختمة إلى آخر اقتربت الساعة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر:55) ثم كملت عليه بعد وفاته وهو مسجي كان كل يوم يقرأ ثلاثة أجزاء يختم في عشرة أيام [3] . هذكا أخبرني أخوه زين الدين.

(1) وقد جمع الشيخ رحمه الله بين العبادة والتزكية وبين الدعوة والجهاد بل قيل أنه قضى عمره بزيارة المرضى وتفقد أحوال الناس والسؤال عنهم.

(2) الأعلام العلية: (ص 38) ، والمقصود ببركة الشيخ أي باتباعه والاقتداء به.

(3) وهذا يدل على مدى مرض الشيخ رحمه الله على الإكثار من تلاوة القرآن وتدبر معانيه آناء الليل وأطراف النهار. وما أحوج المسلم الذي يريد تحقيق العبودية لله من أن يكثر من تلاوة كتاب الله ليلًا ونهارًا وأن لا يتركه لأي ظرف فإن الله علق النجاة في الدنيا والآخرة بقراءته والعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت