والعبادة غذاء الروح وسعادة النفس وسرور القلب ولهذا لم يجئ في القرآن إطلاق القول بأن العبادة والعمل الصالح: إنه تكليف، وإنما جاء ذكرنا التكليف في موضع النفي كقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: من الآية 286) . أي وإن وقع في الأعمال تكليف. فلا تكليف إلا قدر الواسع، يقول الشيخ في بيان أن النفس العبادة غذاء الإنسان: (( ونفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلال هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: إن عبادته تكليف ومشقة! وخلاف مقصود لمجرد الامتحان والاختبار ) ) [1] .
وبهذا يتضح أن العبودية لله هي التي تحرر الإنسان من عبودية ما سواه، هي التي ترد على الإنسان كرامته وعزته فتمنعه من أن يذل نفسه لغير الله أو يخضع لغيره، وهي التي تمنحه السعادة والاطمئنان وتجعله يعيش في روضة من رياض الجنة، وتأخذ به إلى مرضاة الله والأنس بذكره والتلذذ بمناجاته.
ويمكن لنا أن نعرف ذلك يقينًا وذلك باستقراء أحوال الناس وما هم عليه من عبوديات لغير الله هل بهم من يشعر بالراحة القلبية والسعادة النفسية، والشيخ هنا يستعرض نماذج من حياة البشر وأصنافهم ممن عبدوا غير الله ويقيم ذلك وفق تحليل دقيق رائع لنفسياتهم وما يعانونه من علل نفسية واضطرابات (جنسية) وإليك البيان:
أولًا: من علق قلبه بامرأة. يقول الشيخ (( فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له(أي زوجته) [2] . يبقى قلبه أسيرًا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولا سيما إذا درت بفقره إليها وعشقة لها )) [3] .
ثانيًا: من تعلق بالنساء والنظر إليهن ـ ولو لم يفعل لا المحرمات ـ: (( فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه وهؤلاء ـ عشاق الصور والنساء ـ
(1) (( قاعدة في التوحيد والإخلاص ) )لابن تيمية: تحقيق الأخ أحمد الحمداني، طبع مكتبة المثنى ببغداد.
(2) وهذا لا يدل على الكراهة أو التحريم: أي علاقة الرجل مع زوجته ـ ولكن المحذور أن يصل الحال إلى درجة تعلق القلب بها بحيث عدم الاستغناء عنها لحاجته، فإذا علمت هي ذلك حصل ما لا يحمد عاقبته، بل يفعل ذلك عند الحاجة ودون تعلق ـ والله أعلم.
(3) العبودية (ص 62 ـ 63) .