وقد انقسم الناس في هذا الأمر إلى طائفتين:
أ- من ظن أن الحبة مجرد ذل وخضوع لا محبة فيه، فجرد المحبة من أعظم خصائصها، وابن تيمية يهتم اهتمامًا بالغًا بالجانب العاطفي، فللمحبة دافع قوي في تحريك الإرادة والخير، وهذا بخلاف العرض الجاف الخالي من الانفعال عند علماء الكلام في كتبهم ومصنفاتهم [1] . ولهذا أنكر الجهم بن صفوان مخالة العبد لربه وحادثة ذبح خالد القسري أمير العراق للجعد بن درهم مشهورة.
ب- من يتوهم أن محبة الله مجرد انبساط في الأهواء وأنها مجردة عن البذل والخضوع، وقد أخرجهم ذلك إلى نوع من الرعونة - الشطحات - والدعوى التي تنافي العبودية والأدب مع الله.
وقد ترتب على ذلك جملة من الأخطاء والشطحات صدرت عن بعض السالكين وهي إما غلط- فيهم- أو كذب عليهم. ومن هذه الشطحات التي انتقدها الشيخ عليهم:
-الرضا بكل شئ ومحبة كل شئ حتى الكفر والفسوق والعصيان لأن (المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب) [2] . ومعني هذا الكلام أن المعاصي بقضاء الله ونحن مأمورون أن نرضى بالقضاء ... ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
ولأهل السنة ثلاثة أجوبة على هذه الشبهة وهي:
1 -علينا أن نرضى بما أمرنا الله أن نرضى به كطاعة الله ورسوله.
2 -علينا أن نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله بالمقضي.
3 -أن المعاصي لها وجهان وجه من العبد حيث هما منه، ووجه إلى الرب من حيث هو قدرها فالعبد عليه أن يرضى عن الوجه الذي يضاف إلى الله.
والشيخ يرى أن أفضل الأجوبة هي الإجابة الأولى [3] فالإنسان مفطور على دفع ما يضره ويؤذيه وأن كانت لله، فكذلك الكفر ونحوه وإن كان بقدر الله فعلينا دفعه وعدم الرضا به من هذه الناحية.
(1) وانظر مثلا العقيدة النفسفية، فإنك إن قرأتها لا تحرك معاني الحب في قلب المسلم بل تزيده شكوكًا وحيرة, وقد ازدادت بالشرح تعقيدًا. فأين هذا ممن يطالع رسالة العبودية ويقرأها، فإنه سيجد فيها كل الخير والبركة.
(2) وقد قال أحد مدعي المحبة للشيخ هذا الكلام ومقصوده أن الكون كله بما فيه أراد الله وجوده فهو يحبه، فأجاب الشيخ بالفرق الثاني الشرعي وقال له: (( إذا كان الله قد أبغض قومًا وكرههم وأحببتهم أنت أتكون مرافقًا له؟! ) )فكأنما ألقم حجراًََ
(3) الفتاوى الكبرى (1/ 214 ـ 215) .