الصفحة 26 من 32

وعلى العبد أن يفرق بين الإرادة الكونية التي يشترك في شهودها البر والفاجر والإرادة الدينية التي يحبها الله ويرضاها وهي التي شرعها وأمر بها. عدم التفريق بين هذين النوعين جر طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد والكفر. يقول رحمه الله: (( فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدنيوية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمر وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار، فإن ظن مع ذلك أنه خواص أولياء الله وأهل المعرفة الذين سقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان فإنه من شر أهل الكفر والإلحاد ) ) [1] .

-ومن هذه الشطحات التي ردها الشيخ الدعاوى الطويلة في طلب الوصال والتي جعلت هؤلاء يتكلمون بما ينافي العبودية لله مع ما هم فيه من تضييع الحقوق وتعدي الحدود. ومن هذه الأقوال التي نقلها الشيخ:

قول البعض: أي مريد لي ترك في النار أحد فأنا برئ منه.

وقول الآخر: أي مريد لي ترك أحدًا من المؤمنين يدخل النار فأنا برئ منه.

وقول الآخر أيضًا: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد [2] .

ولم يعلم هؤلاء أن أحدًا من الملائكة المقربين والأنبياء لا يشفع لأحد إلا بإذن الله وأن يرضى عن المشفوع له وذلك لكمال الهيبة وجلالة الموقف يوم القيامة، وأن دعوى الأنبياء على الصراط (اللهم سلم اللهم سلم) . وقد طارد ابن تيمية كل مظاهر السخف والرعونة والدعاوى الباطلة والتي جعلت هؤلاء يتكلمون بما ينافي العبودية والطاعة لله. وبين الشيخ أن سبب صدورها من هؤلاء الشيوخ يرجع إلى سببين:

1 -بعض هؤلاء السالكين وأرباب الأحوال يكون لأحدهم وجد صحيح لكن ليس له عبارة توضح مراده، فيقع في كلامه من الغلط وسوء الأدب مع صحة المقصود كقول الشلي لما سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (آل عمران: من الآية 152) . فقال أين مريد الله، مع أن في الآخرة كل أنواع النعيم وأعظمها نعيم النظر إلى وجه الله الكريم، وسبب ذلك اعتقاد هؤلاء أن الجنة ليس فيها إلا الأكل والشرب. هذا من آثار طغيان الفلسفة المنحرفة على أفكار المسلمين ودينهم.

(1) العبودية (ص 16) .

(2) العبودية (ص 95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت