فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 46

وهنا يقع عليها ضمان ما يترتب على فتاويها، يقول الإمام ابن القيم: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا، ويلزم منعهم، وهؤلاء بمنزلة من يدل الراكب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطيب الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا كان على ولى الأمر منع من لم يحسن التطييب من مداواة المرض فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا:"من أفتى بغير علم إثمه على الذي أفتاه" [1] ، ولأن تضمينه فيما أفتى به في المسائل الاجتهادية سيؤدى إلى امتناعه وعزوف الفقهاء عن الإفتاء فيفسد حال الناس [2] ، وأساس تضمين الهيئة في تلك الحالة:

التقصير، لأنها حين رخصت لمن ليس أهلًا للإفتاء بالعمل تكون مقصرة في مهمتها، ومن يقصر في القيام بمهمته يكون ضامنًا [3] ، يقول ابن القيم: وان لم يكن أهلًا للفتوى فلا ضمان عليه، لأن المستفتى قصر في استفتائه [4] ، فإن ضمنت عنه يكون ضمانها عن تقصيرها في التعيين، فلا يكون من السائغ الرجوع عليه بما ضمنت من ماله الخاص.

أما إذا كان خطأ الهيئة أو أحد أعضائها ليس ناشئًا عن تقصير الهيئة في التعيين أو الاختبار أو تهيئة السبب الصحيح للإفتاء بالكتمان أو التغيير، فإن ضمان الخطأ يكون في ذمة أعضاء الهيئة، يقول ابن القيم: إذا عمل المستفتى بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بان خطؤه قال: أبو إسحاق الفرائى من الشافعية: يضمن إن كان أهلًا للفتوى، وخالف القاطع [5] ، أي الظاهر من الأدلة، أو ما عليه العمل المصرفي وفقًا لما جرى به العرف الصحيح، فإذا لم يكن أهلًا للفتوى ضمن في ماله، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن" [6] ، فإذا اتبع المستفتى قول المفتى في إتلاف ثم بان خطؤه بمخالفة القاطع فإن المفتى يضمن [7] .

وأساس الضمان الشخصي لعضو الهيئة في تلك الحالة أنه حين خالف القاطع من أدلة الشرع، ولم يتبع ما يجب عليه اتباعه في مثل واقعة الفتوى يكون مقصرًا في استفتائه

(1) ابن القيم - اعلام الموقعين - جـ 4 - ص 189 - دار الحديث بالقاهرة.

(2) الفروق للقرافى - جـ 2 - ص 208، والنووى - المجموع شرح المهذب - جـ 1 - ص 45.

(3) في هذا المعنى: حاشية الدسوقى على الشرح الكبير - جـ 3 - ص 444.

(4) إعلام الموقعين - السابق - ص 196.

(5) المرجع نفسه.

(6) المرجع نفسه - ص 197، والمجموع للنووى - جـ 1 - ص 45، والحديث صحيح، رواه أبو داود والنسائى وابن ماجة وغيرهم، وقال الحاكم: صحيح الاسناد، ووافقه الذهبى، راجع: الجامع الصغير للسيوطى - السابق - جـ 4 - ص 1721 - رقم 8596.

(7) ابن حمدان - صفة الفتوى والمفتى والمستفتى - ص 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت