وأما عمل عضو الرقابة الشرعية فإنه يقتصر على تقويم المعاملة التي يطلب منه إبداء الرأي فيها لتوافق مبادئ التشريع الإسلامى، وهدية في المعاملات، إضافة إلى الاختصاصات المحددة التي يجب عليه أن يقوم بها لخدمة هذا المقصد الأسمى من مقاصد وظيفته [1] ، ومن تلك المهام: إيجاد منهج شرعي واضح، والمشاركة في وضع نظم المصرف الإسلامى، والرقابة، والرد على الأسئلة والاستفسارات الفقهية، وتوعية العاملين والمتعاملين، والشهادة أمام الجمعية العمومية [2] ، وبهذا يبدو مدى الاختلاف في النطاق بين الوظيفتين.
كما تختلف تبعات الوظيفة في كلا الولايتين عن الأخرى، وهذا الاختلاف ناشئ عن اختلاف سند الولاية فيهما، ومن المعلوم أن سند الولاية في الحسبة قرار الحاكم واختياره، فإذا حدث من المحتسب تجاوز أو اعتساف في عمله، أو خروج على مقتضى ما يمليه عليه واجب وظيفته فإن للحاكم عزله، وفى ذلك يقول الماوردي: وقد كان الأمراء يقومون باختيار المحتسبين وترتيبهم لذلك، ويثبتونهم بأسماء في الدواوين حتى لا يختلط بهم غيرهم من لا تؤمن وساطته، فإن ظهر من أحد هؤلاء المختارين للكيل أو الوزن تحيف في تطفيف، أو ميل عن الحق أدب وإخراج عن جملة المختارين، ومنع أن يتعرض للوساطة بين الناس، وكذلك القول في اختيار الدلالين، يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة، وهذا مما يتولاه ولاة الحسبة إن قعد عنه الأمراء [3] .
وتبعة العزل في ولاية الرقابة الشرعية لا يملكها الحاكم؛ لأنه ليس له سلطان مباشر على عضو الهيئة، ولأنه أحد العلماء الذين يفترض فيهم الأمانة والحياد، وقد لا يكون الحاكم على مستوى علمه حتى يحكم عليه، والحكم فرع عن العلم بما وقع من المحكوم عليه، ولعل هذا معنى قول من قال: إن الملوك ليحكمون على الورى، وعلى الملوك لتحكم العلماء، بخلاف ولاية الحسبة فإن الوالي هو الذي عين المحتسب للقيام بأمور محددة هو أدرى بها، ولهذا يقدر على محاسبته وتقرير مدى صلاحيته، والبت في عزله، ولأنه يتحمل آثار ضمانه لما هو معلوم أن ضمان القضاة والولاة من بيت المال [4] ، بخلاف عضو الرقابة الشرعية فإنه إذا أخطأ في اجتهاده، فإنه في حكم الشارع له أجر، وعليه يكون تضمينه غير سائغ عما أبداه من آراء طالما كان متجردًا ويبتغى بقوله وجه الله، حيث لم يخطئ، ويشترط أن لايكون قد أخطأ أو قصر فيجوز تضمينه تخريجًا على تضمين المفتى غير المجتهد ما أتلفه بفتواه [5] .
(1) معيار الضبط للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (2) - الفقرات 4 - 6، راجع: د. نزيه حماد - السابق - ص 291 وما بعدها.
(2) د. حسن يوسف داود - السابق - ص 21 وما بعدها.
(3) الماوردى - السابق - ص 316، أبويعلى - السابق - ص 299 وما بعدها.
(4) ابن حمزة الحسينى - الفرائد البهية في القواعد الفقهية - ص 319 - دمشق مطبعة حبيب أفندى، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار - جـ 4 - ص 35، حيث يعلل ذلك بأنه لو وجب عليه الضمان مع عجزه عن التحرز لتقاعد الناس عن تقلد القضاء فيتعطل تنفيذ الأحكام ومصالح العامة، وإقامة حقوق الشرع، وإذا لم يجب عليه يجب على من وقع له العمل وهو الحاكم، فإنه عامل له كالوكيل يرجع على الموكل فيما يلحقه من العهدة، ولأنه لما تصرف وأتلف صار كأن المسلمين هم المتلفون، ولأن التغريم يكثر في حقه ويشق عليه فيزهد الأكفاء في الولايات، وراجع: قواعد الأحكام في مصالح ألأنام - جـ 2 - ص 165.
(5) الفروق للقرافى - جـ 2 - ص 208 - دار المعرفة ببيروت، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير - جـ 3 - ص 444 - طبعة الحلبى.