وفى اصطلاح الفقهاء: عرفت الحسبة بتعريفات منها: أنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله [1] ، أو هي: الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على الدعوى [2] ، أو هي وظيفة تقوم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر [3] ، كما عرفها ابن تيمية بما يفيد أنها: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم [4] ، وقد تعددت تعريفات الحسبة في الكتب والبحوث الفقهية بما لا يخرج عن هذا المعنى [5] .
(1) أما الكتاب:
فبقوله تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" [6] ، وقوله تعالى:"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" [7] ، فقد أمر الله تعالى في الآية الأولى بأن ينتصب من المؤمنين مجموعة تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة إلى الخير، ووصف عملها بالفلاح على نحو يفيد الترغيب فيه والإغراء على فعله، وهو ما يفيد حرص التشريع على تحصيله، وإن كان وجوبه على كل فرد بحسب حاله وقدرته [8] ، وفى الآية الثانية أخبر الله تعالى أن هذا العمل من اختصاص المؤمنين يعاون بعضهم فيه بعضًا، وهو ما يفيد مشروعية هذا الفعل، والآيات في هذا المعنى كثيرة [9] .
(2) ومن السنة النبوية:
قوله - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان" [10] ، فقد دل هذا الحديث الشريف على وجوب
(1) الأحكام السلطانية للماوردى - ص 207 - طبعة دار الفكر بمصر، والأحكام السلطانية لأبى يعلى - ص 284 - طبعة دار الكتب العلمية ببيروت.
(2) الطرق الحكمية لابن القيم - ص 277 - المؤسسة العربية للنشر سنة 1380 هـ.
(3) ابن خلدون - المقدمة - ص 197 - مطبعة عبد السلام بن شقرون، د. محمد سلام مدكور - المدخل للفقه الإسلامى - ص 408 - الطبعة الرابعة سنة 1969 م.
(4) الحسبة في الإسلام - أو وظيفة الحكومة الإسلامية - لابن تيمية - ص 18 - تحقيق أبى المنذر سامى أنور - منشورات مسجد التوحيد في أمستردام سنة 1410 هـ، وقد عرفها المحقق بأنها: المسؤولية الناشئة عن مباشرة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في حدود صلاحيات تلك المهمة، المرجع نفسه - حاشية (1) ، د. إبراهيم دسوقى الشهاوى - الحسبة في الإسلام - ص 9 وما بعدها - طبعة 1962.
(5) يراجع في ذلك: إحياء علوم الدين للغزالى - جـ 7 - ص 1196 - طبعة دار الشعب - ونهاية الرتبة في طلب الحسبة - عبد الرحمن بن نصر الشيرازى - ص 6 - تحقيق الأستاذ السعيد العرينى - مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1946، د. محمد كمال إمام - أصول الحسبة في الإسلام - ص 16 - دار الهداية سنة 1406 هـ، وكتابنا: الحسبة ودور الفرد فيها في ظل التطبيقات القانونية المعاصرة - ص 9 وما بعدها - طبع ونشر الأزهر الشريف.
(6) سورة آل عمران- من الآية 104.
(7) سورة التوبة - من الآية 71.
(8) كتابنا: السابق - ص 15.
(9) هذه الأدلة مبسوطة على نحو أوفى، في: كتابنا - السابق - ص 15 وما بعدها.
(10) رواه مسلم من حديث طارق بن شهاب عن أبى سعيد الخدرى، وأخرجه، راجع: صحيح مسلم - جـ 1 - ص 69 - طبعة الحلبى، شرح النووى على صحيح مسلم - جـ 2 - ص 21 وما بعدها - المطبعة المصرية ومكتبتها، والترغيب والترحيب للمنذرى - جـ 3 - ص 167 - طبعة دار الحديث.