بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله الرحمة المهداة، والنعمة والمسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على منوال شريعته، واتبع منهاج دينه إلى يوم الدين. وبعد؛
فإن الرقابة الشرعية في مجال الأعمال المصرفية، تعتبر هي الأداة الصحيحة لتصويب مسار تلك الأعمال وفقًا لما يريده الله - تعالى - من عباده، ومن ثم كانت ذات أهمية خاصة في حياة الأمة على المستويين الفردي والجماعي، فهي تكفل للفرد أسلوبًا سليمًا في تعامله مع المال الذي استخلفه الله فيه حتى يكون أداة إسعاد له في الدنيا، ووسيلة لتحقيق فلاحه في الآخرة، كما تكفل للمجتمع حياة طيبة يسود فيها أداء الأمانات والوفاء بالعقود والالتزامات، وتخلو من الغش والخيانة والطمع في أموال الغير، ويعمها التكافل والتعاون والتراحم في سبيل طاعة الله تعالى وتحقيق الخير المنشود من استثمار المال وتداوله على النحو المحقق لنفع الأفراد والجماعات.
وإذا كان الالتزام بأحكام شرع الله في جميع مجالات الحياة، ومنها المعاملات المصرفية، وكانت الرقابة الشرعية على تلك المعاملات هي المؤدية لذلك، فإنها تكون واجبة، وذلك بناء على القاعدة الفقهية التي تقضى:"بأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبًا [1] ، و التي تقضى: بأن للوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل [2] ، وأن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها [3] ، وحيث كان حكمها الوجوب فإن العلم بها يكون واجبًا، وترك العلم بها يكون حرامًا، كما أن أنفاق المال والتصرف فيه على الوجه الشرعي الصحيح لا يمكن أن يتم إلا بتحصيل العلم الذي يساعد المكلفين على تحقيق تلك الوجهة الشرعية الصحيحة، فإن الله - تعالى - ما شرع الأحكام وبين الحلال والحرام إلا لكي يمتثل الناس لأحكام شرعه وفقًا لما قرره فيه، وليس تبعًا لما يمليه عليهم هواهم، وهذا يبرز وجهًا آخر من وجوه العلم بالأحكام المنظمة لاستعمال الأموال في مظانها الشرعية الصحيحة، وفى هذا يقول الإمام البغوى: العلوم الشرعية قسمان: علم الأصول وعلم الفروع، أما علم الأصول فهو معرفة الله سبحانه وتعالى بالوحدانية والصفات وتصديق الرسل - فعلى كل مكلف معرفته ولا يسع التقليد فيه لظهور آياته ووضوح دلائله، قال تعالى:"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" [4] ، وقال تعالى:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" [5] ، وأما علم الفروع، فهو علم الفقه ومعرفة أحكام الدين، ومنه فرض عين، وفرض كفاية، أما فرض العين، فمثل علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى المكلف معرفته لقوله صلى الله عليه وسلم:"طلب العلم فريضة
(1) د. محمد البورنو - موسوعة القواعد الفقهية - جـ 9 - ص 218 - مؤسسة الرسالة، د. على الندوى - القواعد الفقهية - ص 345 - دار القلم بدمشق.
(2) العز بن عبد السلام - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - جـ 1 - ص 53 وما بعدها - طبعة دار الجيل، د. محمد البورنو - السابق.
(3) القرافى - الفروق - جـ 3 - ص 111 - طبعة دار المعرفة - بيروت.
(4) سورة محمد - من الآية 19.
(5) سورة فصلت - من الآية 53.