إذا كان هذا هو الأصل العام في الإذن بالتداوي من قِبل المريض أو وليه، وأنه مندوب، فإن الحكم يختلف بالنسبة للجراحة الضرورية التي يكون فيها المرض مهددًا بالموت، إذا لم يتم إسعاف المريض بالجراحة اللازمة، حيث يكون الإذن عندئذ واجبًا على المريض أو وليه، وإذا امتنع عنه كان آثمًا، لعموم قوله تعالى"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" [1] . والمريض بامتناعه من الإذن بالجراحة يكون ملقيًا بنفسه إلى الهلاك والتلف، لأن الأطباء المختصين قد أعلموه بالعاقبة التي ينتهي إليها بسبب المرض الجراحي.
ولذا يجب على المريض أو وليه النزول على رأي الأطباء المختصين الذين قالوا بضرورة الجراحة، بالإذن بها، باعتبارها من أهم الأسباب الموصلة إن شاء الله تعالى لنجاة المريض من الهلاك. بينما امتناعه عن الإذن بها، يعتبر مانعًا من إنقاذه، وسببًا يوجب هلاكه وهو محرّم عليه فعله من هذا الوجه.
وإذا امتنع المريض أو وليه عن الإذن بالجراحة الضرورية، ومات بسبب المرض الجراحي، فإنه لا يُعد قاتلًا لنفسه أو لغيره، لأن الشفاء بالجراحة من ذلك المرض المهلك أمر غير مقطوع به، بخلاف من ترك الطعام والشراب حتى مات، -كما سبق بيانه [2] - غير أنه يكون آثمًا لرفض الإذن بالعلاج، وحسابه على الله تعالى، مع أن الشفاء بهذا العلاج مظنون.
وللحيلولة دون الوصول إلى هذه النهاية، للأطباء إجراء هذه الجراحة، رغم رفض الإذن بإجرائها، وعدم ترك المريض أو وليه لرأيه المهلك.
الزائدة الدودية [3] عبارة عن عضو دودي الشكل على هيئة أنبوب صغير مغلق من ناحية واحدة، يمتد متفرعًا من الأمعاء الغليظة، ويقع في التجويف البطني في الجزء الأيمن السفلي منه، ولا يزيد عرض الزائدة على بوصة واحدة، ولا يزيد طولها على ثلاث إلى خمس بوصات.
ويربط العلماء بين الزائدة الدودية والجهاز المناعي لدى الإنسان، ومع هذا فإن استئصالها لا يؤدي إلى أي مضاعفات عل الإطلاق، ويحدث التهاب الزائدة الدودية، إذا دخل تجويف الزائدة أي شيء من محتويات الأمعاء (مخلفات الطعام) حيث ينسد ويصبح مغلقًا من كلا طرفيه، مما يؤدي إلى التهاب داخل الزائدة، وقد يحدث أن تتجمع البكتريا داخل الزائدة، ويبدأ الالتهاب، فتنتفخ ويحدث الانسداد لهذا السبب.
وتتمثل مخاطر التهاب الزائدة الدودية في انتفاخها بسبب امتلاء تجويفها بالإفرازات، وإذا استمر الالتهاب فترة طويلة تنفجر وتخرج محتوياتها من الصديد والبكتريا إلى التجويف البطني، وتكون النتيجة تلوث التجويف البطني وإصابته بالالتهاب، وتعد هذه الحالة من الحالات الحرجة الخطيرة، حيث يمكن أن تؤدي إلى الوفاة أو مضاعفات خطيرة، إذا لم يتم إسعاف المريض بالجراحة اللازمة فورًا.
(1) سورة البقرة، جزء من الآية 195.
(2) راجع بند 25.
(3) الدكتور أحمد رجائي الجندي، القضايا الطبية المعاصرة، حالات سقوط الإذن في العمليات الجراحية المستعجلة، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجده، في الدورة الثامنة عشرة، كوالالمبور، ماليزيا، ص 42.