فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 41

المبحث الرابع

جواز إجراء الجراحية الضرورية المستعجلة

مع رفض المريض إعطاء الإذن

المأذون فيه من العباد بعضهم لبعض، تتوارد عليه جميع الأحكام الشرعية، عدا الحرام، لأن ما عداه لا يكون على وجه يأباه الشارع، أما الحرام فإنه لا يعرض المباح بهذا المعنى الذي نحن بصدده، وهو إذن العباد على وجه لا يأباه الشارع [1] .

كما قد يتصف إذن العباد لبعضهم البعض بالكراهة، كما في الضيافات المشتملة على الإسراف، أو التي أساسها التفاخر والمباهاة أو الخروج بها عن حدود الضيافة دون أن تصل إلى مرتبة الحرمة، وإلا كانت خارجة عما نحن بصدده، وهو ما كان على وجه لا يأباه الشارع [2] ، ومقتضى مسلك الأصوليين في الجملة -عدا الحنفية- أن المكروه ليس على وجه يأباه الشارع، على أنهم يختلفون في كونه منهيًا عنه أو غير منهى عنه.

الإذن الطبي ليس بواجب على المريض في الحالات المرضية التي لا يقطع أهل الطب بأن العلاج يشفيها، أو الأمراض التي لا تؤدي إلى الوفاة، ولهذا لا يجبر المريض على العلاج منها، فقد جاء في مغني المحتاج [3] "ولو استأجره لقلع سن وجعة، فبرئت، انفسخت الإجارة لتعذر القلع، فإن لم تبرأ منه ومنعه من قلعها لم يجبر عليه ....".

وفي كشاف القناع [4] "وتنفسخ الإجارة بانقلاع الضرس الذي اكترى لقلعه أو برئه ... ، فإن امتنع المريض من ذلك مع إبقاء المرض، استحق الطبيب الأجرة بمضي المدة ...".

وفي متن الإقناع [5] "ويصح أن يستأجر من يقلع له ضرسه ... وإن لم يبرأ، لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر".

وإذا امتنع المريض من الإذن بالعلاج من هذا المرض ومات بسببه، فإنه لا يُعد قاتلًا لنفسه، لأن الشفاء غير مقطوع به من هذا المرض، وهذا بخلاف من ترك الطعام والشراب حتى هلك، فإنه يكون آثمًا.

فقد جاء في رد المحتار [6] "فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصيَّ، لأن فيه إلقاء النفس في التهلكة، وأنه منهى عنه في محكم التنزيل، بخلاف من امتنع من التداوي حتى مات، إذ لا يتيقن بأنه يشفيه".

غير أنه يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن الطبي -في مثل هذه الحالات- بالعلاج أو بالجراحة، أن يأذن بذلك، لما ثبت من دعواه صلى الله عليه وسلم لأمته بالتداوي.

فقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" [7] .

(1) راجع سابقًا بند 9.

(2) الأستاذ محمد سلام مدكور: المرجع السابق ص 233.

(3) جـ 2 ص 337.

(4) جـ 4 ص 33.

(5) للصالحي، مطبوع مع كشاف القناع جـ 4 ص 16.

(6) جـ 5 ص 296.

(7) صحيح البخاري بشرح فتح الباري: المكتبة السلفية جـ 10 كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث رقم 5678 ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت