فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 41

وعن أسامة بن شريك رضي الله عنه، قال"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم" [1] .

فلفظ التداوي، عام يشمل التداوي بالعقاقير وبالجراحة. وإذا كان الأصل في الأمر أنه للوجوب ما لم يصرفه صارف، فإن الأمر بالتداوي مصروف من الوجوب إلى الندب، للأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي دلّت على عدم وجوب التداوي.

من ذلك، ما روى عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرعُ وإني أتكشف [2] ، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت، أصبرُ، فقالت: إني أتكشفُ، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها" [3] ."

وفي شرح هذا الحديث يقول الإمام ابن حجر العسقلاني [4] "... وفي الحديث فضل من يصرعُ، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه، أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق المقصد، والآخر من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله أعلم".

وإذا كان رأي ابن حجر العسقلاني أن هذا الحديث فيه دليل على جواز ترك التداوي، وأنه أفضل من العلاج بالعقاقير، فإن جمهور الفقهاء قد حمل الأمر بالتداوي في حديث أسامة على الندب، وقال باستحباب التداوي، ومن هؤلاء الفقهاء شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري [5] . وهو ما يقول به الإمام النووي أيضًا، استدلالًا بما روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل" [6] ، فقد ذكر"وفي الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف والخلف" [7] .

وهذا ما يُرجّح لديَّ، لأن التداوي سبب من الأسباب التي يضعها الله عز وجل لدفع المرض، بعد أن يكون المريض أو وليه قد تخير الطبيب الذي يثق بدينه وعلمه وخلقه.

(1) سنن أبي داود جـ 4: كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، حديث رقم 3855 ص 3 والنص له، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، جـ 4 كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، حديث رقم 2038 ص 383، وقال هذا حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه جـ 2 كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث رقم 3436 ص 1137.

(2) أتكشفُ: المراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر، فتح الباري جـ 10 ص 115.

(3) صحيح البخاري جـ 10 كتاب المرضى، باب فضل من يصرعُ من الريح، حديث رقم 5652 ص 114، والنص له، صحيح مسلم بشرح النووي: جـ 16، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ص 131، مسند الإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار الفكر جـ 1 ص 346 - 347.

(4) فتح الباري جـ 10 ص 115.

(5) أسنى المطالب شروح روض الطالب: المطبعة الميمنية بمصر 1313 هـ جـ 1 ص 295.

(6) صحيح مسلم جـ 14، كتاب السلام، باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي ص 190 - 191.

(7) شرح النووي مع صحيح مسلم جـ 14، ص 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت