ضمن الدية وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض، وجناية المتطبب، في قول عامة أهل العلم- على عاقلته"."
وفي موضع آخر من الطب النبوي [1] "طبيب حاذق وأعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يده، وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه، مثل:"إن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة، فهذا يضمن، لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث، فما زاد، فهو على عاقلته، فإن لم يكن عاقلة، فهل تكون الدية في ماله؟ أو في بيت المال؟ على قوليّن: هما روايتان عن أحمد، وقيل: إن كان الطبيب ذميًا، ففي ماله، وإن كان مسلمًا، ففيه روايتان، فإن لم يكن بيت المال، أو تعذّر تحميله، فهل تسقط الدية؟ أو تجب في مال الجاني؟ فيه وجهان، أشهرهما سقوطها"."
وعند عدم إذن المريض بالجراحة، وعدم وجود ضرورة تدعو إليها، يجب القصاص عند الإكراه على الجراحة.
فقد جاء في المغني [2] "وإن قطع طرفًا من إنسان فيه أكلة أو سلعة، بإذنه، وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه، وإن قطعه مكرهًا، فالقطع وسرايته مضمون بالقصاص، سواء كان القاطع إمامًا أو غيره، لأن هذه جراحة تؤدي إلى التلف، والأكلة إن كان بقاؤها مخوفًا، فقطعها مخوف، وإن كان من قطعت منه صبيًا أو مجنونًا، وقطعها أجنبي فعليه القصاص، لأنه لا ولاية له عليه".
وفي كشاف القناع [3] "وإن قطع أوبط سلعة خطرة من أجنبي مكلف بغير إذنه، فمات، فعليه القود، وإن فعله حاكم من صغير أو مجنون أو وليهما لمصلحة، فلا شيء عليه".
كما جاء في المحلي [4] ، بصدد المداواة بغير إذن"... وأما إذا كان يرجى للأكلة برؤ أو توقف، وكان الضرس تتوقف أحيانًا ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره، فعلى القاطع والقالع القود، لأنه متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود".
يتضح مما تقدّم، أهمية إذن المريض أو وليه في سقوط عقوبة القصاص، حتى مع التجاوز والتعدي، ووجوبها عند عدم الإذن وعدم الضرورة، باعتبار أن الجراحة والقطع المترتب عليها، عدوانًا محضًا.
الطبيب في الفقه الإسلامي لا يُسأل عند إذن المريض، إلا إذا تعدّى، وكان تعديه متمثلًا في الخطأ الذي لا يجوز أن يقع فيه طبيب حاذق، بأن كان ناتجًا عن جهل، أو خطأ فاحش، لا تقرّه أصول فن الطب ولا أهل العلم، بخلاف الخطأ اليسير الذي لا تقصير فيه، لأن من شأن مساءلته عن ذلك، أن يؤدي إلى إحجام الأطباء عن علاج مرضاهم، إذا لم يكونوا على يقين من نتائج العلاج، خشية المسئولية، مما يمثل إضرارًا بالمرضى، وقفلًا لباب الاجتهاد في العمل الطبي. وهو ما يأخذ به الفقه القانوني المعاصر أيضًا.
وعلى ذلك، اشترط الفقهاء عدم التجاوز والإذن، لعدم وجوب الضمان، حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما، يجب الضمان [5] .
(1) ص 111.
(2) جـ 10 ص 349 - 350.
(3) جـ 5 ص 595.
(4) لابن حزم: تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، بإشراف الشيخ أحمد محمد شاكر، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت جـ 10 مسألة 2047 ص 444.
(5) البحر الرائق جـ 8 ص 33، رد المحتار على الدر المختار جـ 5 ص 43.