فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 41

وإنما يتمثل الاختلاف بينهما فيما ذكره الإمام القرافي [1] ومحمد علي بن حسين المكي [2] في الفرق بين قاعدة الإذن العام من قِبل صاحب الشرع في التصرفات، وبين إذن المالك الآدمي في التصرفات، في إسقاط الثاني الضمان دون الأول، وسر الفرق هو أن الله تعالى تفضّل على عباده، فجعل أن كل واحد من حق الله تعالى وحق الآدميين، موكول لمن هو منسوب له ثبوتًا وإسقاطًا، وإنما حقوق الله تعالى صِرف، لا يتمكن العباد من إسقاطه، ولا الإبراء منه، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع، وما هو حق للآدميين بتسويفه وتملكه وتفضله لا ينتقل الملك فيه إلا برضاهم، ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطهم، ولذلك لا يسقط الضمان في إتلافه إلا بإذنهم في إتلافه، أو بالإذن في مباشرته على سبيل الأمانة.

الإذن الطبي Medical Consent، وهو إقرار المريض بالموافقة على إجراء ما يراه الطبيب مناسبًا له من كشف سريري، وتحاليل مخبرية وصور إشعاعية، ووصف الدواء، وغير ذلك من الإجراءات الطبية التي تتبع لتشخيص المرض وعلاجه، إنما يرجع في أصله لإذن الشارع [3] .

وعلى ذلك، فإن أساس إباحة العمل الطبي بصفة عامة، هو إذن الشارع وإذن المريض معًا، بخلاف ما لا تتوقف فيه الإباحة على إذن العباد، فإنه يكفي فيه إذن الشارع، إذ يكون مباحًا الأخذ والانتفاع به، سواء أذن العبد أم لا، كالمنافع العامة.

وبيان ذلك، أن الشارع لم يطلق للإنسان حرية التصرف في جسمه وحياته، بل وضع الضابط لهذا التصرف على وجه يعود بالنفع على صاحب الإذن، بعلاجه وشفائه.

وبذلك لا يعدو أن يكون إذن المريض، العامل المباشر الذي يُمكن الطبيب من العمل بالرخص التي خوّلها له الشارع على جسم المريض التي تناسب مرضه.

وخلافًا لذلك، هناك من يرى [4] أن أساس إباحة العمل الطبي هو رضاء المريض به، استنتاجًا من سقوط القصاص أو الدية، إذًا إذن المجني عليه بالاعتداء، مما يعني إمكان تنازل الإنسان عن حقه في سلامة جسده، وهو ما يسري على الطبيب، حيث يمكن إرجاع عدم مسؤوليته عن المساس به إلى رضاء المريض به.

ويُؤخذ على هذا الرأي، أن هناك فرقًا بين الحق في سلامة الجسم، والحق في الجزاء المترتب على الاعتداء عليه، ولا يلزم من إمكانية أن يسقط المجني عليه الحق الثاني، أنه يستطيع إسقاط الحق الأول.

فالحق الأول، وهو الحق الأصيل فيه جانب لله تعالى وجانب للعبد، مع رجحان جانب الله تعالى، في حين أن الحق الثاني، وهو الحق في القصاص أو الدية، وهو الحق البديل، يرجح فيه جانب حق العبد -كما سبق بيانه- فيجوز إسقاطه.

(1) الفروق جـ 1 ص 195.

(2) تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، مطبوع بهامش الفروق جـ 1 ص 197.

(3) من أنصار هذا الرأي أيضًا الدكتور أحمد محمد كنعان: زميل الجمعية العالمية لتاريخ الطب (ISHIM) الإذن الطبي يرجع في أصله لإذن الشرع، الشبكة الصحية

(4) الشيخ أحمد إبراهيم: مسئولية الأطباء في الشريعة الإسلامية وفي القانون المقارن، مجلة الأزهر المجلد 19، 1367 هـ ص 819، الشيخ محمد علي النجار، حول مسئولية الأطباء، مجلة الأزهر، المجلد 20 1368 هـ ص 52، الشيخ محمد أبو زهرة، الجريمة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي ص 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت